بقلم أيهم نقولا سعد†

أيهم نقولا سعد
أنا :
أيقظْ مسيحكَ في سماكْ نجمُ المساءِ إلى لِقَاكْ†
نارُ المحبّةِ في القلوبْ دفءُ السّلامِ إلى دِمَاكْ
أيقظْ مسيحكَ في سماكْ بَدْرُ الليالي إلى لِقَاكْ
نورُ المحبّةِ في الوجوهْ فيضُ السّلامِ إلى لِوَاكْ
أيقظْ مسيحكَ في سماكْ شمسُ الصباحِ إلى لِقَاكْ
بَذْرُ المحبّةِ في النفوسْ جَنيُ السّلامِ إلى سِواكْ
هو : جميلٌ جدًّا !!
أنا : أحببتُ أنْ أبتدئَ بشيءٍ من الشّعر، وإليكَ الترتيلة التالية : ها هوَ ذا الختنُ يأتي في نصفِ الليل، فطوبى للعبدِ الذي يجدهُ مستيقظًا، أمَّا الذي يجدهُ مُتغافلاً فهوَ غير مُستحقّ، فانظري يا نفسي ألاَّ تستغرقي في النوم ويُغلقَ عليكِ خارج الملكوت وتسلّمي إلى الموت بل كوني منتبهةً صارخة : قدوسٌ قدوسٌ قدوسٌ أنت يا الله.
هو : حسنًا، ولكن أين الموضوع؟!
أنا : على رسلكَ يا صديقي، لا تكن على عجلةٍ من أمرك، سوف آتيكَ بلبّ الموضوع…
هو : كُلّي آذانٌ صاغية.
أنا : المسيحيّةُ هي بعثٌ وإيقاظٌ للنفسِ من عبوديّة الخطيئة، والخطوةُ الأولى للتحرّر من هذه العبوديّة هي الاستيقاظ والتنبّه للأفكار الداخليّة والخارجيّة، الداخليّة من الماضي المخزونِ في الذاكرةِ واللاوعي، والخارجيّة من الحواس الخمس.
هو : هل لكَ بالشّرحِ أكثر؟
أنا : بالطبع وبكلِّ سرور…
يجبُ الإشارةُ إلى أنَّ الحدودَ الخارجيّة للدّماغ – والتي هي الحواس الخمس – توردُ إليه معلوماتٍ من الزّمن الحاضر إلى حيّزِ الوعي أو الإدراك أو الفكر، أمّا الحدود الداخليّة فهيَ المعابر لهذه المعلومات إلى كلّ من الذاكرة واللاوعي (إلى الأرشيف الدماغي = الزمن الماضي).
وكما هو معروفٌ فإنَّ الحدود الخارجيّة للدماغ والتي هي الحواس الخمس هي حدودٌ ملموسة وواضحة أمّا الحدود الداخليّة فهي غير واضحة وغير ملموسة ولكن بالمقابل قد يكون لها حيّز أو بعدٌ-ما ضمن الدّماغ (وهذا ليس ضمن حدود معرفتي).
المطلوب منّا إذًا هو اليقظة لضبط حدود الدماغ والعيش في قوّة اللحظة الحاضرة قدر المستطاع دون ضغطٍ نفسيّ وفي صفاء الذهن.
هو : ولكن كيف ذلك؟!
أنا : تحدّثَ أحدُ الأشخاصِ المهتمّين بالنفسِ البشريّةِ واسمهُ جدّو كريشنامورتي، وهو من أصولٍ هنديّة، عن وقفٍ للزمن الفكريّ أيْ عزلٌ للماضي والعيش في قوّة اللحظة الحاضرة، وهذا هو التأمّل (أو اليوغا).
هو : ولكن هل تطلب منّي أن أبقى متأمّلاً طوال حياتي، كيف ذلك؟!
أنا : بالطبع لا، لكن من المفروض أن نستفيد من أفكار هكذا شخص قدر الـمُستطاع.
يقول التأمّل أو التركيز أو اليوغا – في ما يقول – بأنّك عندما تنظرُ إلى وردةٍ على سبيل المثال لا الحصر، عليك ألاّ تأخذ لها خلفيّة فكريّة أو صورة من الذاكرة، أي لا تربطها مع حدثٍ ماضٍ، بل ركّز فيها فقط وهذا هو التأمّل، أي العيش في قوّة وكامل طاقة اللحظة الحاضرة. وأنا لا أطلب منك أن تبقى متأمّلاً طيلة حياتك، بالطبع لا، وإنّما أن ندرّب أنفسنا بتمارين-ما على عدم أخذ أو إعطاء أو ربط خلفيات وتأويلات من الذاكرة، لأحداثٍ وصورٍ تَرِدُ إلى دماغنا في الزّمن الحاضر عبر الحواس الخمس، بهذه الطريقة نحافظ على صفاء الذهن وطاقته دون الهدر والتبذير على أمورٍ لا طائلَ منها.
هو : لم أفهم!
أنا : في الحقيقة، الأمر يتطلّب تمرين ومثابرة، فلو فرضنا أنّك عندما تسمع أغنية مُحدّدة فإنها تذكّرك بحدثٍ أليمٍ من الماضي، بهذه الحالة فإنّ عقلك يقوم بالرّبط بين هذه الأغنية مع خلفية أليمة موجودة في الذاكرة أو اللاوعي، وتكون عمليّة الرّبط في الغالب بشكلٍ لا إراديّ، وهذا يسبّب ألـمًا في النفس، فلو حاولت التركيز في الإغنية – قدر الـمُستطاع ومع التكرار – دون محاولة العودة للذاكرة، فلن يعود هناك ألم في النفس (منطقيًّا)، أليس كذلك؟
هو : ممكن!
أنا : إذاً أنت تضبط بهذه الطريقة الحدود الزمنيّة الداخليّة للدماغ، وتعيش في قوّة اللحظة الحاضرة في صفاء الذهن بالنسبة للأمور السلبيّة على أقلّ تقدير. ينطبق هذا الأمر على النظر والشهوة، فالشهوة لا تتولّد إلاّ بالرّبط مع صور وأحداث سلبيّة من الذّاكرة واللاوعي، وهنا نميّز براءة الطفولة الخالية من الخلفيات المولّدة للشهوة والتي تزول غالبًا مع التقدّم في العمر.
هو : وما حالُ الضّبط الخارجيّ؟
أنا : يجب التنويه أنَّ الضبط بشكلٍ عام يتطلّب يقظة وانتباه، فمن الطفولة إلى الشيخوخة يمرّ الشخص من اليقظة بمساعدة مراقب خارجيّ (الوالدين) إلى اليقظة برقيبٍ داخليّ (الضمير).
هو : هل لك بالتوضيح؟
أنا : بكلّ تأكيد. عند مشاهدتي لأحد البرامج التلفزيونيّة الفرنسيّة، لفت انتباهي أن البرنامج كان قائمًا على حلّ المشاكل العائليّة والشخصيّة، اعتمادًا على تصوير مجريات الأحداث اليوميّة للعائلة أو الشخص، ثمّ يُعرض الشريط عليهم نهاية كلّ يوم. كان من الـمُلاحظ أنّه عندما يُشاهد الشخص أو العائلة المعنية بالمشكلة تصرفاتها عن بُعد، كان هذا الأمر يُساعد في حلّ المشكلة ويغيّر سلوك الشخص نحو الأفضل في اليوم التالي. إذًا رؤية ومراقبة الشخص لنفسه من الخارج (بعينٍ ذهنيّة خارجيّة) كفيلة بحلّ جزء كبير إنْ لمْ يكنْ كامل المشكلة، والسبب هو اليقظة والانتباه.
ففي مرحلة الطفولة يكون الأهل هم المعنيّون بالرّقابة الخارجيّة لأطفالهم، وعليهم مع مرور الوقت وازدياد عمر الطفل أن يزرعوا في نفسه رقيبًا داخليًّا مرنًا يعود الطفل إليه في نهاية كلّ يوم لتقييم حصيلة يومه، بهذا الأسلوب يتجه الطفل نحو تقييم الذات تِباعًا للسموّ بها نحو الأفضل.
وأحبّ أن أقول : أنَّ من أراد اتّباع طريق الانتباه واليقظة الفكريّة، عليه أن يعتبر نفسه في حربٍ فكريّة لا هوادة فيها ولا رحمة – في البداية على أقلّ تقدير – وهذه هي ضريبة النفس اليقظة التي تريد الخلاص والسلام.
هو : كيف تحدث إذاً المشاكل النفسيّة؟
أنا : بالطبع، نحن لسنا بعيدين عن المشاكل النفسيّة لا بل حتّى الزلازل النفسيّة، والتي هي تردّي في ضبط الحدود الداخليّة والخارجيّة، وعمليّة الرّبط والتلاقي بين هذين الحدّين قد يؤدّي – مع مرور الزّمن وتراكم الأحداث – لحدوث المشاكل النفسيّة (كره، غضب، …، اكتئاب، …، انتحار)، والتي تختلف شدّتها من إنسان لآخر تِبعًا لعوامل مختلفة لا حصرَ ولا ضابطَ لها.
هو : كيف يتم إذًا تدعيم النفس؟
أنا : التدعيم يعني الضبط، والذي يعني بدوره وجود مُضاد للفيروسات المتمثّل بالرّقيب الداخلي ودرجة يقظته. لكن لنفرض أنَّ زلزال أصاب مدينة-ما، فأوّل خطوة باتجاه الحلّ هو ضبط حدودها، والمقابل لذلك على الصّعيد الشخصيّ ليس عزل الشخص طبعًا وإنّما ضبط المدخلات الحسيّة بالقدر الممكن والتخفيف من النصائح التي لا طائل منها – في البداية على أقل تقدير – كما حدث مع أيّوب الذي وجّه عتبًا لأصدقائه لكثرة نصائحم له.
ثانيًا : لابدّ أنْ يحدثَ – بعد الضبط – حراك داخلي ذاتي في الشخص المعني بالمشكلة بمساعدة المعونات الخارجيّة (كالدواء مثلاً)، ونقصد بالحراك الداخليّ هو قدرة وأهليّة الشخص على التصرّف مع الأزمة، وهذا نابع من خلفيّة الشخص (ثقافيّة، دينيّة، …إلخ)، حيث يقتضي غياب أحد الطرفين (معونات خارجيّة أو حراك داخلي) الإطالة في إعادة تأهيل المنطقة النفسيّة التي أصابها الزلزال. ومن وجهة نظري على أقل تقدير فإنّ الخلفيّة أو العمق الأكثر قوّة لحلّ الأزمة هو العمق الرّوحيّ المبنيّ على أسس صحيحة، ويكون ذلك طبعًا بالتآزر مع باقي الخلفيّات.
لكنْ لو فرضنا أنّ الشخص ليس لديه أي عمق أو خلفيّة تساعده في حلّ الأزمة، في مثل هكذا حالة سوف يُعوَّل على الشخص الاعتماد على المساعدات الخارجيّة فقط من أجل حلها (كالدواء مثلاً)، وفي هذه الحالة لا يمكن إعادة تأهيل وبناء المنطقة النفسيّة المأزومة والمدمّرة وإنّما يتمّ التأقلم مع الأزمة والعيش معها وفيها.
ومن الحراك الدّاخليّ المنصوح به في مثل هكذا أزمات نفسيّة هو المبادرة في رفد النفس ذاتيًّا وطوعيًّا بـمُدخلات حسيّة غزيرة ومنتظمة كالقراءة وسماع الموسيقى والكتابة، وجميعها من النوع الرّفيع طبعًا، مع تقييم ومراقبة الشخص لذاته من أجل تقدير مستوى التقدّم والتحسّن، الأمر الذي يكفل ويساعد كثيرًا في إعادة ترتيب وبناء ما تهدّم من النفس الـمُصابة بالزلزال، مع المثابرة على الرّياضة التي ترفد الدماغ بالأوكسجين إضافة لأخذ الدواء اللازم وبانتظام لرفد الدماغ بالمواد الكيميائيّة اللازمة، ودون هذه الأمور ينحو الحلّ نحو المستحيل.
ملاحظة : إن استطعت أن تفصل نفسك عن مشاكلك (باليقظة والانتباه لأفكارك) تستطيع أن تخطوَ خطوات سريعة وكبيرة باتجاه قمّة الحلّ، لا بل نحو النجاح الباهر في الحياة دون ضغوط نفسيّة، وعليك أن تتذكّر دومًا أنّك إنْ لمْ تكنْ مُحاربًا من الطراز الأوّل والرّفيع فلن تربح في معركة الحياة.
† بحرُ الشعر : مجزوء الكامل.
Like this:
Be the first to like this post.
تعليقات حديثة