أرشيف

Archive for the ‘كتب مفيدة’ Category

ذكريات من منزل الأموات، للكاتب الأرثوذكسيّ الرُّوسيّ الفَذّ دوستويفسكي

التعليق التالي  لسيادة المطران جورج (خضر)، في نشرة رعيَّتي بتاريخ الأحد 20 حزيران 2010 العدد 25

 في كتاب “ذكريات من منزل الأموات”، يروي الكاتب الأرثوذكسيّ الفذّ دوستويفسكي أحداثًا مروِّعة عانى، كما هو مقبول عمومًا، رهبتها شخصيًّا في سجن أومسك، ونسبها إلى بطل روايته ألكسندر جوريانتشيكوف.

لن نستعرض، هنا، ما تحويه هذه الرّواية الجريئة من أخبار لخليط من السجناء، حُكِمَ عليهم بالأشغال الشّاقة، وما تكبّدوه من عقوبات جسيمة، أثّرت في نفوس قرّائها، وأبكت، وفق ما يؤكّد واضع مقدّمتها، اسكندر الثاني أحد قياصرة روسيا (حَكَمَ ما بين العامين 1855 و 1881). ولكنَّنا سنقف عند حوارٍ جرى بين بطل الرّواية المذكور وسجين مسلم اسمه عليّ، ولد في داغستان، إحدى جمهوريَّات “الاتحاد السوفيتيّ” التي تقع على شاطئ بحر قزوين الغربيّ (يرد الحوار في الصّفحات 109 – 113).

يبدأ دوستويفسكي حواره بذكره بأنَّ عليًّا وأخَوَيْهِ (المسجونَيْنِ معه) كانوا يحتفلون بعيدٍ من أعيادهم. وكان عليّ لا يعمل في ذلك اليوم، مسترسلاً في أحلامه، تبدو عليه أمارات الحزن. رآه ألكسندر جوريانتشيكوف على هذه الحال، وسأله، كما لو أنّه يعلم ما به، إن كان يتذكّر كيف كانوا يقيمون عيدهم في داغستان. وأخذ يصف له طبيعة بلاده. فانفعل عليّ انفعالاً شديدًا. ثمَّ سأله محدِّثُهُ، مِمَّا سأله، عن محبّة أمّه له. فأخبره أنّها كانت تفضّله على كلِّ مَنْ خرجوا من صُلبها، أشقَّاء وشقيقات. ثمَّ دخل عليّ في جوّ من الصّمت المُطبق، سمح لسائله بأن يذكرَ، في نفسه، صفات زميله الطيّب الذي كان يعينه في كلِّ ما يحتاج إليه، وقدرته الخارقة على تعلُّم بعض الفنون الحرفيّة (الخياطة، وترقيع الأحذية، والنجارة).

بعد هذا يفاجئ ألكسندر جوريانتشيكوف زميله بسؤاله : “يا عليّ، لماذا لا تتعلَّم القراءة والكتابة باللغة الرّوسيّة؟” (ربّما أثّر فيه حزنه، ففعل). ففتنه ما سمعه، وتمنّاه علنًا. ثمَّ أجابه بحسرةٍ ظاهرة : “ولكن، من ذا الذي يعلّمني؟”. فاقترح ألكسندر أن يساعده هو نفسه على ذلك. فنهض عليّ، وضمّ يديه، “ونظر إلى محدّثه نظرة توسّل وتضرّع”، ليفعل. ثمّ استطرد الكاتب بما جرى : “وشرعنا نعمل في مساء الغد. كان عندي ترجمة روسيّة للإنجيل، وهو الكتاب الوحيد الذي لم يكن محرّمًا في السّجن. فبواسطة هذا الكتاب وحده، وبدون تعلّم الألفباء، أتقن عليّ القراءة في غضون أسابيع. وما انقضت ثلاثة أشهر، حتّى كان يفهم لغة الكتابة فهمًا كاملاً، لأنّه كان يكبّ على الدراسة بحماسة قويّة ونشاط متأجّج”. وتابع : “وفي ذات يوم، قرأنا معًا موعظة الجبل كاملةً، فلاحظت أنّه كان يقرأ بعض الآيات بنبرة نافذة ولهجة مؤثّرة. فسألته هل أعجبه ما قرأه. فرمقني بنظرة ثاقبة، واشتعل وجهه بحمرة مفاجئة. قال : “نعم، إنَّ عيسى نبيّ ينطق بلسان الله. ما أجمل هذا الكلام!”. “ولكن، قل لي : ما الذي أعجبك أكثر من غيره؟”. “الآية التي تقول : “اغفروا لأعدائكم. أحبّوا أعداءكم. لا تسيئوا إلى أحدٍ قطّ”. آهٍ ما أجمل كلامه.”!

سنترك التعليق الجميل الذي جرى بعد الحوار الذي نقلناه. فهذا، على كونه يبيّن ما فعلت هذه الخدمة من خير في ذلك السجين الغريب عن دين معلّمه، يمكن أن يراجعها مَنْ يعنيه ذلك في قراءة الرّواية. أمّا ما يهمّنا في ما تبقّى لنا من سطور، فأن نعلّق، ولو بسرعة، على بعض ما تضمّنته.

أولاً: يجب أن تستوقفنا إنسانيّة هذين السّجينين معًا. شخصان، لا تعطف أحدهما على الآخر أيّ قرابة إن في اللحم والدم أو في الدين، تجمعهما عاطفة صداقةٍ تكوّنت في ظلّ سجن من السّجون التي تعوّد الكثيرون منّا أن يسلخوا عن سكّانها أيّ عاطفةٍ، عاطفةُ شراكةٍ لا سيّما في الحزن الذي كان يعمّر إنسانًا يعيّد بعيدًا من أهله ووطنه. وهذا، أمرًا لافتًا خيرُهُ فعلاً، يجب أن يجعلنا نعيد التفكير في الحكم على الناس اعتباطًا، وأن يعلّمنا أن نركنَ إلى أوجاعهم، لنسعى إلى مداواتها. ويبدو الخير، جليًّا، في هذه القربى التي جعلت ألكسندر جوريانتشيكوف يشبه “السامريّ الشّفوق” الذي حدّثنا عنه الرّب في أمثاله  (لوقا 10 : 25 – 37). صحيح أنَّ عليًّا لم يكنْ ملقى على الطريق بين حيّ وميت. ولكنّ الصحيح، أيضًا، أنّه كان محتاجًا إلى معونة أخرى. كان محتاجًا إلى مَنْ يعزّيه في حزنه. وهذه معونة سدّها له رجل صوّره دوستويفسكي كما لو أنّه موجود، ليكون كلّ مَنْ يعاشرهم أفضل ممّا هم عليه. وليس باعتقادي من قيمة لإنسان لا يأتي من هذا الخُلق المدهش. ويبدو الخير، بجلاء لا يفوقه جلاء، في هذا الاحترام الشديد الذي جعل رجلاً أرثوذكسيًّا يُتكئ آخر مسلمًا على كلمة الله المؤثّرة من دون أن يغتصب عقله. كلّ ما فعله أنّه علّم “تلميذه” في كتابٍ جَزَمَ مؤلّف الرّواية أنّه لم يكن مسموحًا بأن يدخل غيره في ذلك السجن. ليس في الرّواية من إشارة إلى أنّ ذاك “التلميذ” قد تبع صاحب عظة الجبل. كلّ ما هو ظاهر أنّه ذاب في جمال كلماته المؤدّبة التي تعلّمها في قراءة كتابٍ كثيرون من شعب المسيح يضعونه زينةً في مكتباتهم، هذا إن كانوا يقتنونه فعلاً!

من عادة فيدور دوستويفسكي أن يمرّر أقوالاً للرّبّ في رواياته جملةً. وقد قال بعضٌ إنّ هذا كان زادًا للمؤمنين الرّوس في أزمنة الحكم الشيوعيّ الذي منع، ممّا منع، نشر الكتب المقدّسة. ونحن، كقرّاء، في هذه الأزمنة التي بات الرّخص عنوانًا بارزًا من عناوين معظم فنونها، ليس لنا سوى أن ننحني إجلالاً أمام كاتب استطاع أن يجعل من فنّ الرّواية جسرًا يحمل كلمة الرّبّ إلى كلّ مَنْ يُسكره جمالُها.

لتحمل الرّواية : انقر هنا

لتحميل التعليق : انقر هنا

إقرأ عن دوستويفسكي : انقر هنا

La maîtrise de l’amour

إلى كلّ المهتمين بالقراءة باللغة الفرنسية

انقر هنا

ملاحظة : الكتاب متوفـّر في مكتبة الكنيسة

التصنيفات:كتب مفيدة الوسوم:,

الله في قلب الإنسان المعاصر بقلم الأرشمندريت يوحنا التلـّي

“الله في قلب الإنسان المعاصر” هذا ليس كتابًا يدور حول موضوع واحدٍ، لكنه جمعٌ لموضوعاتٍ مختلفة. قُدِّمت للشبيبة في مناسبات كثيرة، في غالبيتها كانت مخيّمات ورياضات روحيّة. ورغم اختلاف مناسباتها فقد دارت حول هدفٍ أساسيّ، هو عودة الإنسان إلى ذاته، تلك الذات الضّائعة في عالم اليوم، والممزقة، والمشتتة والتي تحتاج إلى ما يجمعها في وحدة هي في الأساس جوهر وجودها. الفردية من جهة، وضعف الإيمان من جهة ثانية أوجد هذا الانفلاش، الذي قطع الإنسان فيه الصلة بأخيه الإنسان الآخر، فافتقد من خلال هذا القطع تماسكه مع نفسه. ظهرت حاجة الإنسان المعاصر إلى دور الإيمان بالرب. فالله ساكن فينا ونحن عنه بعيدون، وعلاقتنا بالإنسان الآخر هو ما يقربنا من هذا الإيمان الذي نحتاجه، ونحن عنه متلهون. دعوتنا الواحدة في كل هذه الموضوعات أن نتلمس حضور الله في قلوبنا، وأن نمد يدنا للآخر، لتقوم بيننا وبينه ألفة، عسى أن يعيد لمجتمعنا وحدته الضائعة، فيكون الله رأس عائلتنا ونحن أسرته.

هذا الكتاب بموضوعاته الواحدة والثلاثين والمقسمة على أبوابه الأربعة لا يناقش هذا الموضوع ليساعد القارئ للعمل من أجل تحقيق هذا التلاقي بين الإنسان والله. ولكنه يقدم عصًا يتّكئ عليها القارئ من خلال ما يضع بين يديه هذا الكم من الموضوعات ليبدأ الجهاد للوصول إلى هذه الغاية.

فالكتاب روحي إنجيلي آبائي كنسي نهضوي، ولكنه أيضًا رهباني وتربوي وموضوعاته تنقل القارئ من بحثٍ إلى آخر عسى أنَّ فحواه تستقر في قلب هذا القارئ، بعد أن تساهم في أن يستقر الله في قلبه.

كما أنَّ هذا الكتاب يساعدُ الشبيبة كمرجع لموضوعات يريدون مناقشتها فيستعينون بهذا القليل الذي يحتويه هذا الموضوع، ليشكل مدخلاً إلى قلوبهم الممتلئة بالكثير، والتي تحتاج إلى جهدٍ يبذلونه ليقدموها للآخرين. والكتاب ليس مقصورًا على الشبيبة  التي دعت المؤلف لطرح هذه الموضوعات معه، بل جاء ثمرةً مشتركةً بتفاعل الراغبين بهذه البحوث مع باحثها فهو على الرغم من أنَّ الرغبة الشبابية هي التي استدعت إنشاءه، إلا أنَّ الطموح أن يسد ضرورةً عند باقي شرائح المجتمع لأنه يحمل هذه الخصوصية. فيصير الكتاب حاملاً لأجوبةٍ شافيةٍ إلى أنفسٍ عطشى لمثل هذه الموضوعات. في سبيل تحقيق ذلك فهو سيكون فاتحة إصداراتٍ قادمةٍ على التتالي. تطرح موضوعاتٍ مُكمّلة في سبيل تحقيق هذه الغاية في كتبٍ لاحقة. ويبقى في البداية والنهاية أنَّ الله هو غايتنا، وله رجوعنا، وسعينا في كلِّ أشكاله مقرونًا بالوصول إليه ويقيننا أنَّ هذا سيتحقق بكشف السيّد المسيح لنا، السبل المتاحة عبر طريقه الضيّق الذي يربط السماء بالأرض، نافيًا من أمامنا وجود الطريق الرّحب المنعزل في بعده عن الطريق الوحيد، وبذلك تنتفي من حياتنا الهوّة التي تعزل الطريقين عن بعضهما البعض، ليصير (الله-الإنسان) واحدًا في عالم الوجود.

فلنسعَ إلى هذا مستعينين بكلِّ كتابٍ يقود إلى هذه الحقيقة، قارنين قراءتنا له بجهادٍ أساسه الصّلاة ومطالعة الكتاب المقدّس، وحسن السّلوك عسى أنَّ الله سبحانه يُرسل لنا نعمته الإلهية لتعيننا لتحقيق هذه الأُلفة للوصول إلى هذا الاتحاد.

وأخيرًا، أشكر كافة الذين ساهموا في إصدار هذا الكتاب بدءًا ممن عملوا على تنضيده على الكمبيوتر، ثم إلى الذين ساهموا في تصحيحه وطباعته.

وللأخ العزيز والأستاذ الكبير والباحث في نظرية “حول الإنسان والوجود” ياسين الأخرس. خالص الشكر والامتنان، فهو الذي كان له الفضل في تدقيق لغة الكتاب.

لمزيد من المعلومات عن أيقونة الغلاف انقر هنا

عنوان دير مار جريس والشيروبيم في صيدنايا ـ سوريا : انقر هنا

التصنيفات:كتب مفيدة الوسوم:

لو حكيت مسرى الطفولة

… “لو حكيت مسرى الطفولة” ليس كتابًا ككلِّ كتاب وليس مقصورًا على مشكلة المسيحيّ العربيّ، بل يحكي قصّة التطوّر الرّوحيّ للمؤلف التي تحيل الحوار الرفيع عن الإسلام والعروبة مركزًا أساسيًّا فيه ويتخذ شكل قصّة يرويها الكاتب عن صاحبه. هذا الصّاحب الذي “على وجهه معاناة عربيّة مشرقيّة مسيحيّة، سجّلت حروفها لغة العرب وأحيت هذه الحروف روح المسيحيّة الشرقيّة، لذا يأتي هذا الوجه موقفًا حضاريًّا”.

والمطران جورج خضر الذي درس مادّة “الحضارة العربيّة” في الجامعة اللبنانيّة ينطلق من أنَّ المسيحيّة العربيّة تمثّل استقلالاً فكريًّا وروحيًّا وحضاريًّا عن الغرب، وقد ارتبط مصيرها بالمصير العربيّ العائش في مجتمع إسلاميّ طبعه الإسلام بطابع نهائيّ ومصيريّ.

فدفاعه عن قضيّة فلسطين – وما أكثر ما فعل ذلك في المراكز الرّوحيّة الغربيّة المسؤولة – هو بالنسبة إليه قضية عقيدة دفينة وإيمان بالحقّ الواحد الذي لا ينفصم أو يتجزَّأ وقضيّة مصير وشهادة “فدولة إسرائيل في ما يذهب إليه ليس مشروعًا استيطانيًّا استعماريًّا فحسب، وإنّما كذلك لأنّها تعيدنا إلى وجود حضاريّ ثقافيّ من شأنه أن يخيف الرّسالة المسيحيّة” (من محاضرة له عن علاقة المسيحيّة بالمصير العربيّ، النهار 8/2/1975 والوقوف إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين العرب والدّفاع عن حقوقهم هو شركة في الألم والشّهادة).

مسيحيّة بلسان عربيّ

 ولئن كان ممكنًا تلخيص كتاب علميّ فمن الصّعب تلخيص كتابٍ كلّ فقرة وكل عبارة فيه هي بمثابة قفزة روحيّة تلقيك طويلاً شارد الذّهن في أحضان التأمّل. أسمعه مثلاً يقول في فصل من كتابه الذي نعرضه عنوانه “آن للمسيحيّة أن تتكلّم بلسان عربيّ” يقول :

“المهم في الأوطان من جهة ماضيها، مضمونها الرّوحيّ، قربانها الإنسانيّ. هنا أحسّ صديقي دائمًا أنَّ بلده يستمدُّ دعوته كلّها من  هذا الحوار المشرقيّ الممتدّ من الإسكندريّة إلى أنطاكية وكروش وما إليها عبر أورشليم” “كذلك رأى أنَّ المسيحيّة التي صمتت كثيرًا بسبب الرّوح آن لها أن تتكلّم الآن عن نهضة بلسان عربيّ فصيح تشرح نفسها وقد رفض هذا الرّجل قول القائلين ان أبت العروبة أن تنتصر”

“كل ذلك جعله يتعاطى القرآن تعاطي ودّ. كان يفتش فيه عن الجمال كل الجمال كل جمال. فانكبّ عليه فترة من زمانهن لمس فيه القربى والبعد واضطر في حقبة قصيرة عن طريق أبحاثه أن يلمّ بالأدب القرآنيّ.. ولقد أحبَّ من المسلمين نخبة حلوة عرف لصوقها بالله وكيف أنها تخلّقت بأخلاقه”.

“وقد زُيِّن له أن هذه الطائفة من المسلمين قادرة يومًا أن تحمل رسالة مودّة بين المسلمين والنصارى قائمة ليس على أساس المجاملة ولا على أسس الفقه الحامي لأهل الذمّة، بل على أساس عروبة بيضاء لا تتنكّر للتراث الشرقيّ القديم ولا إلى الإنسان المعاصر المبادر وذلك في رقعة عربيّة تضيق أو تتّسع. بالأهم من بحث الكيانات العربيّة وتوحيدها أن نعرف مضمونها الرّوحيّ ولون الثقافة فيها. كان من المهم أن نسعى إلى التوادّ وكان الوطن الصّغير الذي ينتمي إليه صاحبي مسرحًا ممكنًا لهذا الحوار الطيّب”.

“الوطن المسيحيّ كان في إحساس صاحبي بدعة لا سياسيّة وحسب بل روحيّة في الدّرجة الأولى. الوجود المسيحيّ الشّرقيّ إنما هو وجود مع المسلمين وفي إطارهم التاريخيّ والحضاريّ”…

 المرجع :

طعمه، الدكتور جورج، مجلّة العربيّ، العدد 257، نيسان 1980، ص 24 – 25.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.