أرشيف
القديس الشهيد أغاثنجلوس الدمشقي (القرن الثالث للميلاد)
عاش هذا القديس، فيما يبدو، في زمن الإمبراطور الروماني الكسندروس ساويروس (222 – 235م). في ذلك الزمان صدر أمر ملكي بإكراه المسيحيِّين على تقديم الذبائح للأوثان والسجود لها تحت طائلة الملاحقة والتعذيب والموت.
وكان في مدينة دمشق، يومذاك، رجل من جنس بنيامين من سلالة بولس الرسول، مكرّمًا بين الناس، محبوبًا عندهم لحسن سيرته وجميل طريقته ومذهبه. ولم يكن يغفل أيّة وصية إنجيليّة، بل كان يشجّع المؤمنين ويثبّتهم. جاءه رسل أوفدهم إليه والي دمشق، وطلبوا منه أن يذبح للآلهة هرمس وزفس وخرونس، بناءً لأمر الملك : «لترتفع درجتك عنده»، على حدِّ تعربيرهم، فأجابهم : «إذا كان الإنسان قد خُلق على صورة الله وشبهه – والله هو الذي يرزقنا – فكيف تأمرنني بأن أسجدَ لآلهتكم الصّماء ولا نفس لها ؟!.. حاشى أن أكفر بإلهي وقد أسبغ نعمته عليّ كما أسبغها على سائر أنبيائه، فافهموا قولي لكم واعلموا أنَّ سيِّدي يسوع المسيح قادر على أن يفيض على كلِّ مؤمنٍ به رحمته ومواهبه الروحانية، حتى أنه يُقيم الأموات وينقّي البرص، ويفتح أعين العميان، ويُخرج الجن من الإنس، كما قال في إنجيله المقدَّس إنَّ كلَّ من يؤمن بي فمثل أعمالي يعمل وأفضل. وأما بعد وقبل فيجب أن نقرّب أرواحنا وأنفسنا لربنا ونسفك دماءنا من أجل اسمه والإيمان به كما بذل هو نفسه عنا لخلاصنا. ولما قال لهم هذا، أجابوه : إذا كان قولك صحيحًا فهات آية تثبته! وها إن في المدينة شابًا قد مات قبل قليل فادعُ المسيح ربك – من تزعم أنه إلهك – ليبعث الشاب حيًّا من جديد إن قدرت. فأجابهم أغاثنجلوس إلى ما طلبوا، بعدما قال لهم : كان ينبغي لنا ألا نجرّب ربنا وإلهنا، ولكن لكي تعلموا أن الله على كلِّ شيءٍ قدير، هلمّ بالشاب إليّ. فأتوه به محمولاً على سرير وطرحوه أمامه. فلما نظره القديس، قام ورفع يديه إلى السماء وصلّى. ثم تقدّم من الميت وأخذ بيده فقام على رجليه يتمطى، وكأنه نهض لتوه من رقاد النوم ؛ فعجب الحاضرون أشد العجب وآمن بالمسيح خلق كثير.»
ومرَّت على الحادث عشرة أيام قدم بعدها الإمبراطور إلى دمشق، فذهب إليه الرؤساء والقواد وكبار الموظفين مُستقبلين. وبعدما رحبوا به، وقدَّموا له الطاعة وأطلعوه على أحوال المدينة، نقلوا إليه خبر أغاثنجلوس قائلين : «إن ههنا رجلاً شابًا اسمه أغاثنجلوس، يعمل أعمالاً عجيبة ويصنع آيات غريبة لا يقدر أحد من البشر أن يعملها؛ فقد أقام ميتًا قدّامنا، وأقام المقعدين، وفتح عيون العميان، وطرد الجن وأخرجهم من المجانين…». ثم أخبروه أن هذا الشاب أبى أن يسجد للأصنام، وأن يقرّب لها الذبائح. فتعجب الملك وانتظر أيّامًا ثم بعث في طلب القديس (كان عمر أغاثنجلوس يومذاك قد ناهز الثلاثين) فلما مثُل لديه حاول الملك استمالته إلى حزبه وأغراه بالوعود والهدايا والرفعة؛ إن هو اقتبل آلهته، فلم يُوفق. هدّده عندئذٍ ولم يلق منه غير الخيبة. يبدو أن الذين شهدوا العجيبة الأولى يوم أقام القديس ميتًا، حاولوا صرف الإمبراطور عن عزمه الفتك بالقديس فضرب أعناقهم، وعُدّوا مع الشهداء القديسين.
ثمَّ جيء بعددٍ من السباع، وأُطلق على القديس خمسة منها؛ فلما اقتربت منه سجدت عند قدميه وجعلت تلحسهما. فآمن بالمسيح على الأثر ألف وخمسمائة إنسان كانوا في المكان؛ والإمبراطور نفسه – من هول المفاجأة – بدا وكأنه آمن هو وامرأته، فأخلى سبيل القدّيس.
بعد ذلك – على ما روى كاتب سيرة القدّيس – أعطى الرب الإله عبده أن يجترح بين يدي والي دمشق وأمام جموع غفيرة من الناس، عجائب كثيرة عظيمة؛ وقد اعتمد للمسيح نتيجة ذلك خلقٌ كثير. حتى الوالي نفسه طلب المعمودية فلم يُعطها له قدّيس الله لأنه عرف من الملاك أن قلبه كان غير نقي.
ومرّت ثلاث سنوات حرّك الشيطان بعدها الوالي من جديد فأتى بالمغبوط، وقال له : «اترك الآن سحرك القديم وتعال اذبح للآلهة!» فلم يُذعن له. وغضب الوالي غضبًا شديدًا، وأمر أن يؤتى بجرن فيه كلس حيّ ويُطرح القديس فيه ويُغلق عليه.
وانقضى شهران، على ما تقول السيرة، وبدا كأنما الأمر قد انتهى. فأرسل الملك في طلب الحراس، وعندما مثلوا بين يديه، سألهم : «هل رأيتم لهذا الساحر أثرًا، أو عرفتم له خبرًا؟». فقالوا : «إنهم كانوا يرون في الليل ثلاثة ينزلون إليه من السماء، يفتحون غطاء الجرن، ثم يناولونه طعامًا ويؤنسونه ويقوونه ويحدّثونه عن ملكوت السموات، ثم ينصرفون». فظن الملك أن هؤلاء الثلاثة هم : هرمس وخرونس وزفس، آلهته. فأجابوه : لكننا نعرف، يا جلالة الملك، أن هرمس من نحاس، وخرونس من خزف، وزفس من حجر، أما هؤلاء الثلاثة الذين نراهم فلهم مناظر حسنة جدًا، ووجوه لامعة كالشمس. فارتاب الوالي في أمره، وبعث برسل ليفتحوا الجرن. فلما فتحوه وجدوا المغبوط يسبّح المسيح، فبُهتوا لرؤياه وتحيّروا جدًّا.
ثم إن الوالي رضي عن القديس، وعظّم الإله الذي أعطاه صبرًا وقوّة هذا مقدارها، حتى أقام في الجرن ثمانين يومًا. ولما سأله أن يعرّفه بالمسيح، وكيف ظهر من بطن امرأة، أجابه : «مكتوب أن المسيح يظهر في آخر الزمان من السماء، ويتجسد من مريم العذراء ويظهر بين الناس».
بعد ذلك، طلب الملك من الشهيد أن يسأل إلهه ليُرسل مطرًا لأنّ الجفاف كان قد أضنى المدينة زمنًا. فقام قديس الله وبسط يديه الطاهرتين نحو السماء وصلى، وفي الحال تهافت السحاب من كل اتجاه، وملأ السماء بكثافة فهطلت الأمطار. كما أتاه بمجانين وخرس فأبرأهم باسم يسوع؛ وأعاد الحياة إلى شجرتين في حديقة قصره كانتا قد يبستا.
أخيرًا قال الملك للشهيد : لقد آمنت الآن بإلهك، فاذهب وحطّم الأصنام. فذهب وفعل. كان في تلك الأيّام – على ما تقول السيرة – هدوء وسلام وسكون واستقامة في البلاد جعلت الملك يدعو الأساقفة والكهنة، ويسألهم أن يتوجِّوا أغاثنجلوس أسقفًا؛ فكان له ما أراد؛ وبعد ثلاث سنوات رقد الأسقف.
نُصب على دمشق والٍ آخر، ردَّ الأصنام وسجد لها، وأرسل فأحضر أغاثنجلوس، وقال له : «ألعلك تظن أن بإمكانك أن تمارس سحرك عليّ كما فعلت بسلفي؟!! فَوَحقِّ الآلهة لن تُفلت من يدي!»، ثم أمر به، لساعته، فنزعوا ثيابه ورموه بالسهام فلم تعمل فيه. فأمر الوالي بأن يُضرب عنقه؛ فأخذوه عبر سوق مدينة دمشق. وفي مكان ما، هناك، جثا أغاثنجلوس على ركبتيه ورفع يديه إلى السماء، وصلّى. وإذا بصوت يقول له : «تعال إلى مسكن الشهداء الأبرار… فيكون جسدك مكرَّمًا وذكرك طيبًا يطبّق الآفاق؛ وإن قدّم أحد باسمك قربانًا فقد غفرت له خطاياه». ثم تقدّم منه أحد الجلادين وأخذ السيف وهوى به عليه، فصفر السيف، وفصل الرأس عن البدن.
هكذا أكمل قديس الله أغاثنجلوس شهادته وانضمَّ إلى عدد الأبكار المكتوبين في السماء، وكان ذلك في الخامس من شهر تشرين الثاني. «فنسأل ربنا أن يرزقنا الصبر والجهاد في طاعته، والسعي في رضاه، والعمل في هواه، وأن يحصينا مع هذا القديس في ملكوت السموات، آمين».
المرجع :
الإرشمندريت توما بيطار، 1999. “القديس الشهيد أغاثنجلوس الدمشقي”، بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، النشرة، العدد الثالث، ص 76-79.
سيرة القدّيس إسحق السرياني
إن أبانا القدّيس إسحق المتوشّح بالله والنّجم السماوي الساطع هو سوري الأصل. وُلد في نينوى من أبوين لا يُعرَف عنهما شيء.
ترك هذا البار العالم وكل ما فيه هو وأخوه وهو في ريعان الشباب، وانخرط في مصف رهبان دير مار متّى، الذي كان يعيش فيه آنئذٍ عدد كبير من الرهبان الذين كانت سيرتهم تشبه الملائكة ولبس الاسكيم الرهباني فيه.
وبعدما مارس هذا القديس الحياة الرهبانيّة العمليّة هناك وبلغ إلى درجة سامية في الفضيلة تولّد فيه شوق لحياة السكينة العميقة وأخذ قلبه يشتعل بجمر السيرة النسكيّة المنعزلة. فترك دير الشركة وذهب إلى البرية وعاش متوحّداً في قلاّية منفردة ليتسنّى له التأمّل والاتحاد بالله.
وفي تلك الأثناء تسلم أخوه رئاسة الدير وأخذ يراسله باستمرار متوسّلاً إليه الرجوع إلى الدير الذي عاش فيه حياته الأولى. لكنّ عشقه الشديد للبرية لم يدعه يتخلّى عنها إطلاقاً. ورغم أنّه لم يذعن إلى توسّلات أخيه الذي كان يشدد على قضيّة رجوعه إلى الدير، لم يستطع التهرّب من دعوة الآب السماوي (التي تمّت من خلال رؤيا إلهيّة) ولا رفض رسامة كنيسة النينويين ورعاية سفينتها وتوجيهها… إقرأ المقال




















تعليقات حديثة