الإنسان خُلقَ ليحبّ لا ليكره
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس
إغناطيوس الرّابع هزيم
في هذا المناخ الطيّب وفي هذه الجيرة الطيّبة التي سنتكلّم عنها بعد قليل، جيرة النبي الياس ونحن نفتخر بأنّه هو النبيّ الأساسيّ عندنا، ونحن نعتزّ بتراثنا الأرثوذكسيّ الذي يضعه في مصفّ استثنائيّ بالنسبة لسائر الأنبياء.
نعيّد للكرسيّ الأنطاكيّ الذي توجّه إليه إنجيل لوقا. نحن مميَّزون، ككرسيّ أنطاكيّ، لأنْ نسمع الإنجيل الموجّه إلينا بصورة خاصّة. هذا شيء مهمّ. لأنَّنا في كثير من الأحيان لا نعرف من نحن ولا نعرف لمن ننتمي ولا نعرف ماذا فعل الرّوح القدس عندما حلّ على الرّسل وجعل بعضهم يكتبون أناجيل من جملتها الإنجيل الذي يخصّكم ويخصّنا جميعًا. عندما استقبلتُ قداسة البابا، قلت : نحن نرحّب بقداستك لأنّك اليوم تأتي من الغرب وتجلب معك الكنائس الغربيّة إلى منبع الإيمان المسيحيّ، وهو أنطاكية التي منها انطلقت البشارة إليكم.
هناك أمران :
الأمر الأوّل : أن نكون فخورين بما سمح لنا الله به، فقدّس إنطاكية وقدّس الكرسيّ الأنطاكيّ وقدّس كل أبناء الكرسيّ الأنطاكي.
وهناك الأمر الثاني الذي يجعلنا نتذكّر أنّ الله كريم إلى درجة لا يمكن أن تحدّها العقول وهو كيف يرسل لنا كلّ ذلك ونحن لا نستحقّ أي شيء منه؟
كان الرسول بطرس يصف المؤمنين بـــ “الغرباء” ويقول لهم : “أنتم الغرباء”! هذا يذكّرنا بكلام الرّب يسوع لتلاميذه : “أنتم في العالم ولستم من العالم”. الذي في العالم أقوى من العالم، نحن موجودون في العالم لا لكي نغمض أعيننا، بل لكي نفعل فيه، لكي نغيّره ونبدّله ونكون عنصرًا جديدًا فيه، لكي يصبح العالم لائقًا بخلائق الله.
أعرف أناسًا ينامون على فراش الكراهية، حتى بدون أن يعرفوا لماذا يكرهون. الإنسان خُلق لا ليَكره بل ليحبّ، خُلق لا ليُكرَه بل ليُحَب، والدنيا التي ليس فيها مَن يتحابان هي جهنّم بالمعنى الحقيقيّ.
الذي يتكلّم عن النبي الياس يمكن أن يقول الكثير، ولن أقول الكثير. النبي الياس كان في رأس الجبل، لا أدري ماذا كان يلبس. كان أفقر وكان أبسط من أن تكون عنده الثياب التي تلبسونها. ولست أدري إذا كان له حذاء. كان بمفرده، وكان كهنة البعل أمامه بكثرة. وحده أخذ موقفًا وطلب إلى الله أن يكون معينه فاستجاب له الله. اليوم نعيش ككل الناس. هكذا. فإذا كنت تنصح شخصًا ألا يكون لصًّا يقول لك : كلّ الناس “هكذا”. اليوم هذه كلمة مطلقة، ولكن رجلاً واحدًا اتخذ موقفًا لكي يعلّمنا بأن نتّخذ موقفًا.
ونأتي أخيرًا إلى بولس. يجب أن يكون هناك إنسان يقول للناس ما هو الصّحّ بقطع النظر عن أي زمان. بولس الرّسول تكلّم عن نفسه وقال : جُلدتُ مرّات وعُذِّبتُ مرّات. ولكن كلّ هذا لا يزيد عمّا صار بربّي يسوع المسيح. لم يسمع أحدٌ منّي إلا كلام الحقّ!.. كلام الحقّ قويّ، وقائل الحقّ قويّ.
يجب أن تعرفوا أنكم شيء مهم جدًّا في رؤية الله تعالى وتدبيره، ويجب أن تعرف أنه إذا لم يكن قلبك نظيفًا من الحقد ومن الكراهية، فعبثًا تتكلّم وعبثًا تبشّر وعبثًا تفعل أيّ شيء.
أيها الأحباء عيدًا مباركًا إن شاء الله.
المرجع :
كتاب عظات (الجزء الثاني)، منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس، 2003، ص 322 – 323.
لتحميل الموضوع : انقر هنا


























تعليقات حديثة