بقلم الأرشمندريت يوحنَّا (التَلِّي)[1]
لن أجيبكم جواب كتاب التعليم الديني :[2] “إنّه في السماء”،[3] فهذه كلماتٌ ساذجةٌ بالنسبة لكثيرين، بل قد أقول لكم إنّه حيث أنتم، أيضًا لمستموه، ولكن دون أنْ تنتبهوا إلى وجوده، وحيث سمعتم صوته ولكنْ دون أنْ تصغوا إليه، وحيث ارتعشتم لمداعبته، دون أنْ تعرفوه.[4]
الله موجودٌ في وجودك الفارغ، إنَّه كلُّ ما تودُّ أنْ تضعَ فيه لتملأه. الله حيث تتوقف لقمة سعادتك المصطنعة، إنَّه عكس ما اعتدت أنْ تجترّه بعد التقاطك آلهتك التي إنْ هيَ إلاّ رغوةٌ وزبد. إنَّه عكس غثيانك ومرارتكَ وخجلكَ من ذاتك، والفراغ الذي ينهش أحشاءك عندما يتعسَّر هضمك لفردوسك الورقي. إنَّه الشمس التي كنتَ تتمنَّى لو أشرقت ساعة أعمت الظلمات عينيك.
الله مرتبطٌ بكلِّ ما تبتغي أنْ يدومَ أبدًا.
الله يخفقُ حيثما تحلم بالوصول.
الله يتوقفُ حيثما ترفض المسير.
إنَّه في العطش إلى الطهارة الذي ينتاب شفتيك الجافتين بعد تلوثٍ يصيب منك الرّوح أو الجسد. إنَّه واقفٌ عند باب كلِّ خيبةِ أملٍ. إنَّه هاتان اليدان الخفيتان اللتان لا تؤمن بهما، إلاّ أنّك تودُّ الإمساك بهما. إنّه في كلِّ ما تملك فرحًان وفي كلِّ ما تحلم بالوصول إليه. إنّه داخل ما تشعر به في جسمك، عندما تتصوّر سعادةً هي من العظمة بحيث لا تستطيع تحمُّلها.
الله موجودٌ في زوايا حياتك الخفيّة، حيث لا يدخل أحدٌ، حيث يخاطبكَ صوتٌ لا تدري من أين يأتي وإلى أين يذهب فيقول لكَ ما لا ترغب في سماعهن ويذكِّركَ ما تودّ لو تنساه، وينبئك بما لا تتمنّى معرفته. الصّوت الذي لا تسمعه ولكنّه يصرخ، الذي ليس هو صوتك ولكنّه يولد فيك، ولا يستطيع النوم ولا الضجيج أنْ تسكته، إنّه في الجواب الذي لم تجرؤ بعد على التلفظ به، بيد أنّك تشعر به، مؤلمًا ولكنّه فعالاً.
إنّه وراء كلِّ فقيرٍ مطالبٍ بالعدالة، وفي ذلك الفردوس الذي لا يستطيع التنزّه فيه إلاّ بالمخيّلة والرّغبة، حيث زالت مظالم المتجبّرين وانتفى طغيان المتغطرسين، حيث لا تكون المساواة الشرعيّة والأساسيّة كلمةً فارغةً أو برنامجًا سياسيًّا، بل ثمرةً سائغةً، حيث لا تعطي الحريّة ذاتها بشكلٍ تلقائيّ إلاّ حين نكون أحَبَّ للآخرين منا لذواتِنا.
الله يطفو دومًا في خضمِّ حياتنا المضطربة، حياتنا التي لا تكتمل أبدًا، ولا تكتفي أبدًا، ولا تنتفي منها الدنس أبدًا. الله يطفو على مياهها، خشبة خلاصٍ بعيدةٍ ولكنها أمينةٌ، الله هو في ما تدعوه أنتم “القدر” وما أسمّيه أنا “العناية” وهو يستيقظ في كلِّ صباحٍ قبلنا جميعًا.
الله في صميم كلِّ رجاءٍ حقٍّ. وقد يختبئُ الرّجاء أحيانًا، شأنه شأن النجوم، ولكنه لا ينطفئ أبدًا، لأنّه يعكس الشمس، والشمس لا تموت لأنّها نور الله، والله يحوِّل عينيه عن أحدٍ وإن هو فعل، لما كان المحبّة. لذلك يكون الله بالأخصّ حيث يشعُّ دفءُ المحبّة.
المرجع :
التَلِّي، الأرشمندريت يوحنَّا، 2009. “الله في قلب الإنسان المعاصر”، منشورات دَيْرَي القديس جاورجيوس والشيروبيم، ص 35 – 36.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
[1] رئيس دَيْرَيْ جاورجيوس والشيروبيم في بلدة صيدنايا ـ محافظة ريف دمشق – الجمهوريّة العربية السّوريّة.
[2] نضع نقطتين متعاقدتين (:) أفعال القول، أو ما في معناها، كما نضعها بعد ما نريد شرحه أو تفسيره. (المرجع : كتاب النور المضيء في أصول القواعد والإعراب والبلاغة والعروض والإملاء، بقلم الأستاذ تاج الدين عم علي، ص 281).
[3] جُعلتْ الفاصلة (،) علامةً على انتهاء الجملة القصيرة، على أنّ الكلام مستمرّ بعدها. (المرجع السّابق نفسُه)
[4] جُعلتْ النقطة (.) علامة على انتهاء الجملة، وانتهاء المعنى. (المرجع السّابق نفسه)
Like this:
Be the first to like this post.
تعليقات حديثة