أرشيف

الأرشيف ل سبتمبر, 2011

سور دمشق وأبوابها بقلم الدكتور جوزيف زيتون

مقدمة :

دمشق الشام ابنة التاريخ في كل حجر من أحجارها ثبت صادق وأمين لما اقترن به اسمها ووجودها وما أرّخ التاريخ لها.

هي من أقدم المدن المأهولة في التاريخ إن لم تكن أقدمها، تضجّ بالحياة وتتحدث عنها الأساطير والحكايا وتنظم في حسنها القصائد والأشعار.

ابن بطوطة اعتبرها مع بدء الخليقة فقد كان آدم يقيم في ضاحية (بيت أبيات) وحواء تقيم في ضاحية بيت الآلهة (بيت لهيا) إنما يجزم أكثر المؤرخين أنها مولد وموطن ابراهيم الخليل.

البعض قال أنّ اسمها مشتق من اسم بانيها دمشق بن قاني بن مالك بن ارفخشذ بن سام بن نوح أو جيرون من أحفاد نوح.

والبعض قال أنّ بانيها هو دامسكوس ابن الإله هرمس الإغريقي الذي جاء من اليونان وأعطاها اسمه.

ويُقال إنّ الآراميين سموها (درمسق) أو (درسوق) أو درامسيق أي الدار المسقية…إقرأ الموضوع

المثلث الرحمات الأسقف استفانوس حدّاد

بقلم الدكتور جوزيف زيتون، أمين الوثائق البطريركيّة

 مقدمة : علم أنطاكي معاصر وحبر متميز من أحبار كرسينا الأنطاكي المقدّس، لم يكن شخصًا عاديًّا، بل كان مجاهدًا متمتعًا بغيرة رسولية كشفيعه أول الشهداء استفانوس…، مجاهدًا وَهَبَ نفسه للرعاية والخدمة والبشارة وإشباع النفوس المتعطشة إلى الزاد الإلهي، غير آبه بزادٍ أو ثوب أو بيت أو مال، منذ دعوته للكهنوت الشريف قبل 69 سنة. وأخيرًا وبعد جهاد مستمر في كرم الرب، استدعاه الباري له المجد إلى جواره ليسترح مع بقية أبراره وشهدائه وقدّيسيه وليتمتع معهم بنور وجهه المحيي.

في استفانوس، صحّت صرخة سيّد أنطاكية وملاكها، إغناطيوس الرابع، فكانت صرخة مدوّية نابعة من قلبه الأبويّ ومعبّرة عن تراث عميق من المعرفة والتقدير لهذا العَلَمِ المتميّز “استفانوس رحمة الله عليه…”. صرخة أبكت المُصلّين على جسده وروحه الطاهرين من عارفيه وسواهم. هي صرخة غير مسبوقة كسائر صرخات غبطته، اختصر فيها سجايا وصفات هذا البار.

قرّرت كعهدي دومًا في الكتابة عن أعلامنا لتكريمهم، أن أبادر إلى ترجمة هذا المجاهد، ولكني احترت من أين أبدأ، إذ لا يوجد في وثائقنا البطريركية ما يعطيه حقّه، ولم تشفع معرفتي الشخصية به منذ 35 سنة وصداقته بكبيريّ عائلتنا جديّ المرحومين فارس وأسما العاملين في حقل الكنيسة والجمعيات الخيريّة، وزيارته التفقديّة لهما وخاصة قبيل وفاتهما، ثم ومن خلال وجودي الدائم في البطريركية منذ 20 سنة ومحاولتي أن أكتسب منه المعارف…إقرأ الموضوع

الكتب الطقسية المستعملة في كنيستنا الأرثوكسيّة

الكتب الطقسيّة الأرثوذكسيّة، هي عبارة عن مجموعة مكونة من عدة كتب، يعرفها رجال الإكليروس والمشتغلون بالشؤون الكنسية بأسمائها الأصلية (اليونانية) وهذه الأسماء مطابقة لفحوى هذه الكتب.

ما هي هذه الكتب؟

نقول : ليتورجيا (Λειτουργια) أي خدمة القدّاس، وميناون أو مينايا (Μηναια) أي شهريات ويتضمّن خدمة الأعياد الثابتة على مدار أشهر السنة، والتريودي أو تريوديون (Τριωδιον) وفيه خدمة الصوم الكبير المقدس من أحد الفريسي والعشار إلى يوم السبت العظيم المقدس، والبنديكستاري أو بنديكوستاريون (Πεντκοσταριον) يحتوي على خدمة الأيام ما بين أحد الفصح المقدس وعيد جميع القديسين، وعدد هذه الأيام خمسون يومًا أي بنديكوندا باليونانية، ومنها البنديكستاري. والسنكسار أو سنكساريون (Συνξαριον) أي سير القديسين، وتيبكون (Τυπικον) وهو دليل للطقوس الكنسية والأفخولوجي أو الأفخولوجيون (Ευξολογιον) أي الصلوات الكهنوتية، أرولوجيون (Ωρολογιον) أي السواعي والكلمة هنا من لفظة ωρα، أي الساعة باليونانية، وبراكليتوس أو براكليتيكي (Παρακλητικη) أي المعزي وفيه صلوات مختلفة وترانيم على كافة الألحان الكنسية وغير ذلك من كتب النبوءات والمزامير والرسائل والأناجيل… إقرأ الموضوع

ذكريات من منزل الأموات، للكاتب الأرثوذكسيّ الرُّوسيّ الفَذّ دوستويفسكي

التعليق التالي  لسيادة المطران جورج (خضر)، في نشرة رعيَّتي بتاريخ الأحد 20 حزيران 2010 العدد 25

 في كتاب “ذكريات من منزل الأموات”، يروي الكاتب الأرثوذكسيّ الفذّ دوستويفسكي أحداثًا مروِّعة عانى، كما هو مقبول عمومًا، رهبتها شخصيًّا في سجن أومسك، ونسبها إلى بطل روايته ألكسندر جوريانتشيكوف.

لن نستعرض، هنا، ما تحويه هذه الرّواية الجريئة من أخبار لخليط من السجناء، حُكِمَ عليهم بالأشغال الشّاقة، وما تكبّدوه من عقوبات جسيمة، أثّرت في نفوس قرّائها، وأبكت، وفق ما يؤكّد واضع مقدّمتها، اسكندر الثاني أحد قياصرة روسيا (حَكَمَ ما بين العامين 1855 و 1881). ولكنَّنا سنقف عند حوارٍ جرى بين بطل الرّواية المذكور وسجين مسلم اسمه عليّ، ولد في داغستان، إحدى جمهوريَّات “الاتحاد السوفيتيّ” التي تقع على شاطئ بحر قزوين الغربيّ (يرد الحوار في الصّفحات 109 – 113).

يبدأ دوستويفسكي حواره بذكره بأنَّ عليًّا وأخَوَيْهِ (المسجونَيْنِ معه) كانوا يحتفلون بعيدٍ من أعيادهم. وكان عليّ لا يعمل في ذلك اليوم، مسترسلاً في أحلامه، تبدو عليه أمارات الحزن. رآه ألكسندر جوريانتشيكوف على هذه الحال، وسأله، كما لو أنّه يعلم ما به، إن كان يتذكّر كيف كانوا يقيمون عيدهم في داغستان. وأخذ يصف له طبيعة بلاده. فانفعل عليّ انفعالاً شديدًا. ثمَّ سأله محدِّثُهُ، مِمَّا سأله، عن محبّة أمّه له. فأخبره أنّها كانت تفضّله على كلِّ مَنْ خرجوا من صُلبها، أشقَّاء وشقيقات. ثمَّ دخل عليّ في جوّ من الصّمت المُطبق، سمح لسائله بأن يذكرَ، في نفسه، صفات زميله الطيّب الذي كان يعينه في كلِّ ما يحتاج إليه، وقدرته الخارقة على تعلُّم بعض الفنون الحرفيّة (الخياطة، وترقيع الأحذية، والنجارة).

بعد هذا يفاجئ ألكسندر جوريانتشيكوف زميله بسؤاله : “يا عليّ، لماذا لا تتعلَّم القراءة والكتابة باللغة الرّوسيّة؟” (ربّما أثّر فيه حزنه، ففعل). ففتنه ما سمعه، وتمنّاه علنًا. ثمَّ أجابه بحسرةٍ ظاهرة : “ولكن، من ذا الذي يعلّمني؟”. فاقترح ألكسندر أن يساعده هو نفسه على ذلك. فنهض عليّ، وضمّ يديه، “ونظر إلى محدّثه نظرة توسّل وتضرّع”، ليفعل. ثمّ استطرد الكاتب بما جرى : “وشرعنا نعمل في مساء الغد. كان عندي ترجمة روسيّة للإنجيل، وهو الكتاب الوحيد الذي لم يكن محرّمًا في السّجن. فبواسطة هذا الكتاب وحده، وبدون تعلّم الألفباء، أتقن عليّ القراءة في غضون أسابيع. وما انقضت ثلاثة أشهر، حتّى كان يفهم لغة الكتابة فهمًا كاملاً، لأنّه كان يكبّ على الدراسة بحماسة قويّة ونشاط متأجّج”. وتابع : “وفي ذات يوم، قرأنا معًا موعظة الجبل كاملةً، فلاحظت أنّه كان يقرأ بعض الآيات بنبرة نافذة ولهجة مؤثّرة. فسألته هل أعجبه ما قرأه. فرمقني بنظرة ثاقبة، واشتعل وجهه بحمرة مفاجئة. قال : “نعم، إنَّ عيسى نبيّ ينطق بلسان الله. ما أجمل هذا الكلام!”. “ولكن، قل لي : ما الذي أعجبك أكثر من غيره؟”. “الآية التي تقول : “اغفروا لأعدائكم. أحبّوا أعداءكم. لا تسيئوا إلى أحدٍ قطّ”. آهٍ ما أجمل كلامه.”!

سنترك التعليق الجميل الذي جرى بعد الحوار الذي نقلناه. فهذا، على كونه يبيّن ما فعلت هذه الخدمة من خير في ذلك السجين الغريب عن دين معلّمه، يمكن أن يراجعها مَنْ يعنيه ذلك في قراءة الرّواية. أمّا ما يهمّنا في ما تبقّى لنا من سطور، فأن نعلّق، ولو بسرعة، على بعض ما تضمّنته.

أولاً: يجب أن تستوقفنا إنسانيّة هذين السّجينين معًا. شخصان، لا تعطف أحدهما على الآخر أيّ قرابة إن في اللحم والدم أو في الدين، تجمعهما عاطفة صداقةٍ تكوّنت في ظلّ سجن من السّجون التي تعوّد الكثيرون منّا أن يسلخوا عن سكّانها أيّ عاطفةٍ، عاطفةُ شراكةٍ لا سيّما في الحزن الذي كان يعمّر إنسانًا يعيّد بعيدًا من أهله ووطنه. وهذا، أمرًا لافتًا خيرُهُ فعلاً، يجب أن يجعلنا نعيد التفكير في الحكم على الناس اعتباطًا، وأن يعلّمنا أن نركنَ إلى أوجاعهم، لنسعى إلى مداواتها. ويبدو الخير، جليًّا، في هذه القربى التي جعلت ألكسندر جوريانتشيكوف يشبه “السامريّ الشّفوق” الذي حدّثنا عنه الرّب في أمثاله  (لوقا 10 : 25 – 37). صحيح أنَّ عليًّا لم يكنْ ملقى على الطريق بين حيّ وميت. ولكنّ الصحيح، أيضًا، أنّه كان محتاجًا إلى معونة أخرى. كان محتاجًا إلى مَنْ يعزّيه في حزنه. وهذه معونة سدّها له رجل صوّره دوستويفسكي كما لو أنّه موجود، ليكون كلّ مَنْ يعاشرهم أفضل ممّا هم عليه. وليس باعتقادي من قيمة لإنسان لا يأتي من هذا الخُلق المدهش. ويبدو الخير، بجلاء لا يفوقه جلاء، في هذا الاحترام الشديد الذي جعل رجلاً أرثوذكسيًّا يُتكئ آخر مسلمًا على كلمة الله المؤثّرة من دون أن يغتصب عقله. كلّ ما فعله أنّه علّم “تلميذه” في كتابٍ جَزَمَ مؤلّف الرّواية أنّه لم يكن مسموحًا بأن يدخل غيره في ذلك السجن. ليس في الرّواية من إشارة إلى أنّ ذاك “التلميذ” قد تبع صاحب عظة الجبل. كلّ ما هو ظاهر أنّه ذاب في جمال كلماته المؤدّبة التي تعلّمها في قراءة كتابٍ كثيرون من شعب المسيح يضعونه زينةً في مكتباتهم، هذا إن كانوا يقتنونه فعلاً!

من عادة فيدور دوستويفسكي أن يمرّر أقوالاً للرّبّ في رواياته جملةً. وقد قال بعضٌ إنّ هذا كان زادًا للمؤمنين الرّوس في أزمنة الحكم الشيوعيّ الذي منع، ممّا منع، نشر الكتب المقدّسة. ونحن، كقرّاء، في هذه الأزمنة التي بات الرّخص عنوانًا بارزًا من عناوين معظم فنونها، ليس لنا سوى أن ننحني إجلالاً أمام كاتب استطاع أن يجعل من فنّ الرّواية جسرًا يحمل كلمة الرّبّ إلى كلّ مَنْ يُسكره جمالُها.

لتحمل الرّواية : انقر هنا

لتحميل التعليق : انقر هنا

إقرأ عن دوستويفسكي : انقر هنا

الرؤيا : القدّيس بولس الرّسول

لنَعُدْ آلاف السنين إلى الوراء، متذكِّرين الطوفان الكبير الذي غمر الأرض، بعد هطول الأمطار أربعين يومًا. لقد كان شيئًا مخيفًا، فلم ينجُ منه أحدٌ إلا نوح وأهل بيته. لأنّه حظي برضى الرّبّ. وطالت إقامته داخل الفلك، حيث خرج منه – وكلُّ من معه – في ختام الأسبوع الثالث والخمسين من بدء الطوفان.

أوّل ما صنعه نوحٌ على اليابسة بناؤه مذبحًا للرّبّ على الأرض الجديدة، التي غسلتها مياه الطوفان. وعلى هذا المذبح قدّم نوحٌ ذبائح للرّبّ، ليكون مذبحه بيت عبادةٍ، تخليدًا لهذه العلاقة التي صارت بينه وبين الرّبّ. (راجع تك8).

من نوح الأب الثاني للجنس البشريّ، ننتقل إلى إبراهيم أبينا في الإيمان، والأب الأوّل للآباء الأوائل. متذكِّرين ظهور الرَّبِّ قائلاً له : “سأعطي هذه الأرض لذريّتك” (تك 12 : 7). فماذا فعل إبراهيم في مكان التقائه بالرّبّ؟ لقد بنى مذبحًا للرّبّ الذي ظهر له، وجعله بناءً للعبادة، وللسعي لتحقيق شركة مع الله. لقد كان تخليدًا لمقابلةٍ هامةٍ تحمل تذكار الفرد لمواعيد لله. إنَّ الله هو محور حياة من يبني له من الناس هذه التذكارات… إقرأ الموضوع

La maîtrise de l’amour

إلى كلّ المهتمين بالقراءة باللغة الفرنسية

انقر هنا

ملاحظة : الكتاب متوفـّر في مكتبة الكنيسة

التصنيفات:كتب مفيدة الوسوم:,

دورات مجّانيّة

انقر هنا

إلهي هو كلّ شيء

بقلم الأرشمندريت يوحنّا (التَلِّي)

 إلهي هو كلُّ شيء : إنَّه الرُّوح والمادة، الزّهر والنسيم، الفكرة والحَدس، الكائن والخلق، الفرح والدّموع. إلهي هو كلُّ ما أرى، وألمس، وأسمع، وكلّ ما أجهل. إنّه المنظور واللامنظور. إلهي هو كلُّ شيء. لذلك كلُّ شيء حسن. بيد أن ليس كلَّ شيء الله. الزهرة ليست الله. إنْ جعلتها الله، جعلتها صنمًا، ولم يعد ثمّة زهرة. إلاّ أنّ الله هو الزّهرة، لأنّ ما من شيء في الزهرة : المادة، والجمال، والعبير والحياة، واللون، إلاّ وهو كائن في الله. الإنسان ليس الله. إنْ جعلته الله، جعلته صنمًا ولم يعد ثمة إنسانًا، بل مسخًا. بيد أنّ الله هو الإنسان، لأنّ ما من شيء في الإنسان : الله والدم، الذكاء، والحب، والحياة بأشكالها، ووجود الروح، إلاّ وهو كائنٌ في الله.

 المرجع :

التَلِّي، الأرشمندريت يوحنَّا، 2009. “الله في قلب الإنسان المعاصر”، منشورات دَيْرَي القدّيس جاورجيوس والشيروبيم، ص 159.

لتحميل الموضوع : انقر هنا

أين هو إلهي؟

بقلم الأرشمندريت يوحنَّا (التَلِّي)[1]

لن أجيبكم جواب كتاب التعليم الديني :[2] “إنّه في السماء”،[3] فهذه كلماتٌ ساذجةٌ بالنسبة لكثيرين، بل قد أقول لكم إنّه حيث أنتم، أيضًا لمستموه، ولكن دون أنْ تنتبهوا إلى وجوده، وحيث سمعتم صوته ولكنْ دون أنْ تصغوا إليه، وحيث ارتعشتم لمداعبته، دون أنْ تعرفوه.[4]

الله موجودٌ في وجودك الفارغ، إنَّه كلُّ ما تودُّ أنْ تضعَ فيه لتملأه. الله حيث تتوقف لقمة سعادتك المصطنعة، إنَّه عكس ما اعتدت أنْ تجترّه بعد التقاطك آلهتك التي إنْ هيَ إلاّ رغوةٌ وزبد. إنَّه عكس غثيانك ومرارتكَ وخجلكَ من ذاتك، والفراغ الذي ينهش أحشاءك عندما يتعسَّر هضمك لفردوسك الورقي. إنَّه الشمس التي كنتَ تتمنَّى لو أشرقت ساعة أعمت الظلمات عينيك.

الله مرتبطٌ بكلِّ ما تبتغي أنْ يدومَ أبدًا.

الله يخفقُ حيثما تحلم بالوصول.

الله يتوقفُ حيثما ترفض المسير.

إنَّه في العطش إلى الطهارة الذي ينتاب شفتيك الجافتين بعد تلوثٍ يصيب منك الرّوح أو الجسد. إنَّه واقفٌ عند باب كلِّ خيبةِ أملٍ. إنَّه هاتان اليدان الخفيتان اللتان لا تؤمن بهما، إلاّ أنّك تودُّ الإمساك بهما. إنّه في كلِّ ما تملك فرحًان وفي كلِّ ما تحلم بالوصول إليه. إنّه داخل ما تشعر به في جسمك، عندما تتصوّر سعادةً هي من العظمة بحيث لا تستطيع تحمُّلها.

الله موجودٌ في زوايا حياتك الخفيّة، حيث لا يدخل أحدٌ، حيث يخاطبكَ صوتٌ لا تدري من أين يأتي وإلى أين يذهب فيقول لكَ ما لا ترغب في سماعهن ويذكِّركَ ما تودّ لو تنساه، وينبئك بما لا تتمنّى معرفته. الصّوت الذي لا تسمعه ولكنّه يصرخ، الذي ليس هو صوتك ولكنّه يولد فيك، ولا يستطيع النوم ولا الضجيج أنْ تسكته، إنّه في الجواب الذي لم تجرؤ بعد على التلفظ به، بيد أنّك تشعر به، مؤلمًا ولكنّه فعالاً.

إنّه وراء كلِّ فقيرٍ مطالبٍ بالعدالة، وفي ذلك الفردوس الذي لا يستطيع التنزّه فيه إلاّ بالمخيّلة والرّغبة، حيث زالت مظالم المتجبّرين وانتفى طغيان المتغطرسين، حيث لا تكون المساواة الشرعيّة والأساسيّة كلمةً فارغةً أو برنامجًا سياسيًّا، بل ثمرةً سائغةً، حيث لا تعطي الحريّة ذاتها بشكلٍ تلقائيّ إلاّ حين نكون أحَبَّ للآخرين منا لذواتِنا.

الله يطفو دومًا في خضمِّ حياتنا المضطربة، حياتنا التي لا تكتمل أبدًا، ولا تكتفي أبدًا، ولا تنتفي منها الدنس أبدًا. الله يطفو على مياهها، خشبة خلاصٍ بعيدةٍ ولكنها أمينةٌ، الله هو في ما تدعوه أنتم “القدر” وما أسمّيه أنا “العناية” وهو يستيقظ في كلِّ صباحٍ قبلنا جميعًا.

الله في صميم كلِّ رجاءٍ حقٍّ. وقد يختبئُ الرّجاء أحيانًا، شأنه شأن النجوم، ولكنه لا ينطفئ أبدًا، لأنّه يعكس الشمس، والشمس لا تموت لأنّها نور الله، والله يحوِّل عينيه عن أحدٍ وإن هو فعل، لما كان المحبّة. لذلك يكون الله بالأخصّ حيث يشعُّ دفءُ المحبّة.

 المرجع :

التَلِّي، الأرشمندريت يوحنَّا، 2009. “الله في قلب الإنسان المعاصر”، منشورات دَيْرَي القديس جاورجيوس والشيروبيم، ص 35 – 36.

لتحميل الموضوع :  انقر هنا


[1] رئيس دَيْرَيْ جاورجيوس والشيروبيم في بلدة صيدنايا ـ محافظة ريف دمشق – الجمهوريّة العربية السّوريّة.

[2] نضع نقطتين متعاقدتين (:) أفعال القول، أو ما في معناها، كما نضعها بعد ما نريد شرحه أو تفسيره. (المرجع : كتاب النور المضيء في أصول القواعد والإعراب والبلاغة والعروض والإملاء، بقلم الأستاذ تاج الدين عم علي، ص 281).

[3] جُعلتْ الفاصلة (،) علامةً على انتهاء الجملة القصيرة، على أنّ الكلام مستمرّ بعدها. (المرجع السّابق نفسُه)

[4] جُعلتْ النقطة (.) علامة على انتهاء الجملة، وانتهاء المعنى. (المرجع السّابق نفسه)

مبادئ مسيحيّة تساعد الأمّهات على اقتلاع الشرّ من أبنائهم

لا تصوغ الأمومة كافة الأمهات على شاكلةٍ واحدة. فالبعض منهن أمهاتٍ محبّاتٍ واعيات، يلجن أعماق أنفسهن آخذاتٍ بأيدي أطفالهن ليلتقين فيها مع الله. وفي هذا العمق تتكوّن العاطفة الصّحيحة التي بها يعشن مع أولادهن.

وهناك أمهاتٌ لا يفكّرن إلا من خلال عاطفةٍ سطحيّةٍ ساذجةٍ بعيدةٍ عن مصلحة أولادهن. وهكذا وبسبب ضعف تبصّرهن يمنحن أطفالهن حبًّا هدّامًا وغير بناءٍ رغم كبره. وسأضرب لذلك مثلاً لكلِّ نموذج :

بعدَ كلِّ ولادةٍ تعود الأمّ أدراجها من شواطئ الموت، وتظل مدهوشةً لا يفارقها التعب، وتنظر ولدها وتقول : الله ما أروعه، ما أبدعه. لقد عجنت الخميرة في أحشائي، ورويتها بدمي، ومزجتها بدموعي أثناء الليل والناس نيام. أما أنت فكنتُ أحسّ بك أيها الحبيب، وأكاد أراك بعيني آنذاك، وأنت تكبر وتنمو بكلمة الله ونعمته على مثال يوحنا المعمدان بحسب الإنجيل القائل : “أما الصبي فكان ينمو ويتقوى بالرّوح…” (لو 1 : 80). وعلى مثال يسوع الذي وصفه لوقا بقوله : “وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئًا حكمة. وكانت نعمة الله عليه” (لو 2 : 40). وهذه الرؤية لا تفارق الأم وهي تراقب ابنها وهو يكبر كما يقول الإنجيل واصفًا يسوع بعد سن الثانية عشر” وكان يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس” (لو 2 : 52). كلُّ ما يحدث في الابن يتم في الحضن الأموميّن كما هو في مثال يسوع وهو في أحضان أمّه السيدة العذراء، أو في مثال يوحنا المعمدان وهو في أحضان أمه أليصابات. وهكذا فكلُّ أمّ مؤمنة تحضن ابنها وتربيه فإنّها تقوده إلى المسيح، لأنَّ الحبّ الأموميّ قوةٌ متدفّقةٌ لا تنضب.

أمّا النموذج الثاني فهو الحبّ الأموميّ غير المتبصّر والأعمى فهو يحوّل التربية إلى عملٍ صعب، ويجعله أمرًا غير مثمرٍ فيقتل في الطفل إنسانه الداخليّ، ويهدم بنيانه النفسيّ، مما يؤدّي إلى جلب التعاسة إلى قلب الأمّ في نهاية المطاف.

وفي هذا النموذج يرافق نمو الطفل ذاكرةٌ غير مفيدةٍ لهؤلاء الأمهات فيقلن بما معناه : (سنوات طفولتنا كانت مليئةً بالمحرّمات، فلتكن طفولة أطفالنا محفوفةً بورود السعادة التي لا تشوبها شائبة). الأمّهات اللواتي ينطلقن في تربية أطفالهنّ من هذا المبدأ، ملبين لهم جميع طلباتهم، مهمّشين النظر إلى تقلباتهم وما شابه ذلك. إنّما يُربين أطفالهن لكي يتحول الطفل بحبهن إلى كائنٍ عنيد، يُثقل الأهل بطلباته، وهو ما يُثخن جروحات أمّه ويزيدها عمقًا كلما كبر. ولهذا فأمٌّ ربت أولادها على قيم هذه نوعها فإنّها لن تجد مكانًا في قلب أولادها ولا في بيوتهم عندما تكبر… إقرأ الموضوع.

كيف تذكّر سيادة المطران جورج (خضر) والديه ؟

أبي    &    أمّي

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.