غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع (هزيم) بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس
أسيزي، إيطاليا، يوم الصلاة العالمي من أجل السلام، 24/01/2002
عندما تنهار أبراج أعظم المدن ويموت الأولاد في فلسطين، ندرك أنَّ التاريخ ونهاية العالم يختلطان. إن العلم والتقنية يوحِّدان الأرض، غير أن هذا التوحيد يولِّد تمييزات لا تطاق وردات فعل انتمائية عنيفة. ثمة ظلٌّ دموي لحضارة المال، إنّه الإرهاب.
إنَّ الإرهاب شكلٌ لأقسى حداثة نعيشها اليوم. في محاكاته العمياء لتوتاليتاريات القرن العشرين صار إلى أن يكون عدمية انتحارية نتقاتل بواسطتها لنَقْتُل.
لكننا نعتقد في الشرق الأوسط أنه يوجد أيضًا إرهاب هو بالأولى سلاح الفقراء ؛ سلاحُ من سلاحُهم ضعيف. لا ننسينَّ هذا الفرق.
البشر يرون أن لا شيء يمكن له أن يَحْطُم لولب الحقد والخوف والعنف. غير أن الأديان، وحدها، في لُبِّها الناري، والعودة إلى التسامي، قادرة على إظهار أنَّ الإنسان “يتجاوز الإنسان تجاوزًا لا نهاية له” وأنه يتجذَّر في الأعماق وفي ما هو كوني وأنه يستحق بالتالي تقديرًا لا حدَّ له. بالنسبة للمسيحيّة الأرثوذكسيّة، هناك، بشكل خاص، إنسان واحد في أشخاص عدَّة لأن ليس كل إنسان خليقةَ الله وصورته فقط، لكنَّ البشريّة كلها، في المسيح، بتأثير هبوب الروح، صارت جسد الله.
يقول بولس الرسول “إن ثمر الروح هو الفرح والسلام” (غلا 5 : 22) ويؤكد بقوله “إن ملكوت الله هو العدل والسلام والفرح في الروح” (رو 14 : 17).
أن نصليَّ من أجل السلام يفترض بالتالي أولاً السلامَ الداخليّ الذي هو هدف كل التقشفات وتحولَ الطاقة الحيوية التي تستعملها الأهواء المدمرة للقتل إلى طاقة الحب التي تُكْثِر الحياة. إنه تحول يسميه الرهبان “فن الفنون وعلم العلوم”. في العالم غير المنظور، ليس من يقابل الإرهابي إلاّ القدّيس.
في نفسي الآن، يُخصِب هذا الصراع غير المنظور فعلَنا في التاريخ. يواكب هذا الفعلَ بحثٌ عن العدل والرحمة. تقول التطويبات : “طوبى للجياع والعطاش للبر” و “طوبى للرحماء” (متى 5 : 6-7). ليس عدلٌ كهذا إلا مشاركةً في الحياة وخدمة مشتركة لها، كما يحدث اليوم غالبًا بين المسيحيين والمسلمين في بطريركية أنطاكية.
إن أساسات الثقافة نفسَها هي الشيء الذي يجب على الصلاة أن تحوِّله : علينا أن نعتاد على العيش في الاختلاف وفي التوبة والغفران واحترام الغير واحترام أسلوبه في فهم العالم ؛ وكذلك احترام الطبيعة الصائرة اليوم إلى الدمار. يجب أن نحمل في صلاتنا كل تعقيد التاريخ والكون.
قبل كلّ شيء، وهذا طارئٌ مستعجل، يجب أن نصلّي ونعمل جاهدين من أجل شفاء هذا السرطان الذي لا يفتأ يزيد في الأرض المثلثة القدسية والذي في نهاية المطاف يهدد وجود البشرية نفسَه، وأن نصلّي ونعمل من أجل أن تصير أورشليم فعلاً وللجميع مدينةَ السلام.
اضغط هنا لتحمِّيل الكلمة
المرجع :
هزيم، غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، 2002. “حضارة المال”، عظات-الجزء الثاني، منشورات بطريركية الروم الأرثوذكس، دمشق 2003، ص 374-375.
Like this:
Be the first to like this post.
تعليقات حديثة