العُنف ـ الأرشمندريت يوحنا التلي
العُنف فكراً وممارسة هو دخيلٌ على الطبيعة البشريَّة، والإنسان المؤمن إذا مارس العُنف يعني أنَّه لم يعد مُلتزمًا بإيمانه أمام الله. العُنف في هذه الحالة هو تحوّل في الطبيعة البشريّة من إنسان خُلِق على صورة الله ليستبدل تلك الصورة بصورة بشريّة من صنعه فتتغلَّب عليه الأهواء الشخصيّة ومنها محبّة التسلّط التي تقود إلى العُنف، لتكون تلك الأهواء بديلةً عن الفضيلة. ويصير الإنسان من خلالها بعيدًا عن التحكّم بنفسه. بدلاً من أن يكون عائشًا تلك الفضيلة التي هي وديعة السلام على الأرض بكونها ترتكز على المحبّة التي هي بلغة الكتاب المقدَّس، “الله محبَّة” (1يو 4 : 8). فالعنفُ في المسيحيَّة هو سوء فهم لمشيئة الله الخالق. والعُنف بأنواعه يحمل لونًا من الاستخدام لوسائل تتنافى مع شريعة المحبّة التي تتفرَّع منها كل ألوان العلاقات بين إنسان وآخر.
هذه المحبّة مسيحيًّا هي التي تشكِّل الكنيسة، التي هي المدرسة التي منها يرتوي المؤمن بحياته الرّوحيّة والسّلوكيّة أيضًا. تلك المدرسة التي تنعكس على مؤسسة صغيرة تشبهها ألا وهي الأسرة. وبحسب شريعة الكنيسة، ينتفي العُنف في الأسرة.
فالأسرة هي الكنيسة الصّغيرة، تلك الكنيسة التي يحكمها الله، الله أب لها، هو الأب والأم فيها، والأبناء هم أخوة ليسوع المسيح لأخيهم الأكبر يسوع المسيح الذي قدّم نفسه فداءً عنهم ليوطِّد أركان كثيرة، منها وما يخصُّ هذا الموضوع أنّ الحياة تقوم على الغُفران والمُسامحة بدلاً من مُبادلة العُنف بالعُنف. الأسرة فيها الأب والأمّ، يقول الكتاب : “أيها الرّجال أحبُّوا نساءَكم” (أف 5 : 25) كما والعكس صحيح بالنّسبة للمرأة
والأسرة تنجب الأولاد، والأولاد يتربّون في هذه الأسرة التي تقوم على المحبّة لذلك يوصي الكتاب قائلاً : “أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم بل ربّوهم بتأديب الرّبّ” (أف 6 : 4) وهذا يفيدنا بألا يعامل الآباء أولادهم بعنفٍ. ومسيرة تلك العلاقة بين الأسرة والله، تقوم على صلة تواصلٍ، وهذا التّواصل هو السّلام فنحن في مطلع صلاتنا نخاطب الله بالقول : “بسلام إلى الرب نطلب” ، “من أجل السّلام العلوي إلى الرب نطلب”… ، “من أجل سلام كلِّ العالم إلى الرب نطلب.”…
فسلام العالم هو الذي يوطِّد أركان اللاعنف في البشريّة، والأسرة هي جزء من تلك الأسرة الكبيرة التي الله فيها هو الأب الأول الذي يحيطها بمحبَّته.
لا أنكر أن هنالك نوعًا من الخروج عن تلك المسيرة عندما يجنح الآباء وبغيرة غير مُقدَّسة تجاه بعضهم البعض إنه خروج عن المحبة باسم المحبَّة، فإنَّنا حينئذٍ نراقب الوضع من ناحيته الدّينيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة، لنجد بأن هنالك انحرافًا باسم الدين يرتبط بالمُجتمع، وباسم العلاقات الزّوجيّة القائمة على الاهتمام بغيرة غير مقبولة، تبدأ النزاعات في الأسرة، ويصير العُنف هو الحاكم الأوّل لتلك العلاقة التي ينبذها الله ويظنّ بعض الناس أنّهم على مسيرة الله يشرعون ويسيرون.
لهذا تنادي الأديان السّماويّة، والمسيحيّة واحدة منها، لكي يعود الإنسان بصورةٍ دائمة لكي يتشبّه بربّه ويتمثّل بأحكامه ويعمل حسبما عاملنا هو حينئذ ينتفي العنف كليًّا، ويحلّ محلّه السلام والمحبّة. وهذا لن يكون إلا بمزيد من التضحية وبذل الذّات. إنَّ التضحية وبذل الذّات هما البديل للعنف من أجل إحلال السّلام. وشكرًا.
المرجع :
الأرشمندريت يوحنا التلي، 2010. “العُنف”، النشرة، بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، السنة التاسعة عشرة، العدد التاسع، ص 34 – 35.






















تعليقات حديثة