الجحيم بقلم سيادة المطران جورج خضر
ليست الجحيم “أسفل دركات الأرض” بحيث إذا حفرت تصل إليها، وما السماء أعلى مقام حتّى تصعد إليها. الجحيم هي النار التي تأكلك من داخل الكيان. أنت تجذبها إليك وتقيمها فيك. هي تمتدّ في نفسك وتملأها، وما القصّة أنّ الله يحكم عليك بقصاص أبديّ. أنت إلهيّ الصّورة، إلهيّ البنية حتّى إذا تسرّب الشرّ إليك ورحَّبت به يولد فيك مرارة لا توصف. الجحيم فيك وما أنتَ فيها. “النار التي لا تطفأ” كانت شيئًا واقعًا، واديًا في أورشليم تُحرق فيه القذارات ويُدعى جهنّم بلغتهم أي وادي هنم صاحبه. والسماء مِن سما يسمو لأنّ الآلهة كانت تسكن الجبال، واتخذ ذلك العبرانيون فقالوا : “عيناي إلى الجبال من حيث يأتي عوني”. ذلك أنّ الإنسان يعيش في المدى. بينه وبين إلهه مسافة. “ابتعد عنّي يا ربّ لأنّي رجل خاطئ”. والملاك، صالحًا أو ساقطًا، يشاطر هذا البعد.
طرحت هذا الطرح على صديق فيما كنت أنوي هذه السطور فقال : “أو تنتهي، آنذاك، الجحيم هنا؟”. قلت : “قلبي معي في الدنيا وما بعدها”. الكيان البشريّ يخلّده الله تخليدًا. النفس تلازمها سماؤها أو جحيمها. “أهنا يكون ذلك أم هناك؟” قال. قلت : “ما الــ هنا وما الــ هناك، ما الـ فوق وما الــ تحت؟”. غلبة للمدى وغلبة للزمان بمقدار ما كانا عقابًا. ولكن إذا تجليا فتخطينا محدوديتهما الحاضرة، إذا اتخذهما النور الإلهي عند فيضه نكون في رؤية أخرى، في معرفة أخرى… إقرأ الموضوع
الأرشمندريت سيرافيم أليكسييف
وُلِدَ الأرشمندريت سيرافيم أليكسييف في بلغاريا في العام 1920م. حصّل علومه اللاهوتيّة في معهد صوفيا للدراسات اللاهوتيّة، ثمَّ تابع دراساته العليا في سويسرا. في العام 1940م سيم راهبًا. معرفته برئيس الأساقفة سيرافيم سوبولوف (1950+) لعبت دورًا هامًّا في حياته، إذ وجد في شخصه مرشدًا نقيًّا حازمًا إلى الإيمان والحياة الرّوحيّة.
ثلاث محطّات أساسيّة نتوقّف عندها في حياة الأب سيرافيم وأعماله المبدعة. ففي الأولى (1947 – 1960) التي كان فيها مسؤولاً عن قسم التربية والتعليم في المجمع المقدَّس، حيث قام، آنذاك، بأعمال تجاوز فيها معطيات ذلك العصر القاسية وأكّد على أهميّة عمل الرعاية. ألقى بهذا الصّدد عددًا من العظات والمحاضرات البنّاءة، وألّف العديد من الكتب، وكتب عددًا من الكرّاسات في الحياة الرّوحيّة والرعائيّة، بالإضافة إلى مواضيع متنوّعة في الأدب والشعر. من أهم ما كتبه سيرافيم في محاضراته رجاؤنا، وحبّنا محاضرتان يسلّط لنا من خلالهما الضوء على معطيات تلك المحطّة من حياته.
في المحطّة الثانية (1960 – 1969) -كمدرّس لمادّة اللاهوت العقائديّ في كليّة اللاهوت في صوفيا-أصدر سلسلة من الدراسات اللاهوتيّة.
في المحطّة الثالثة (1969 – 1993) أُرغم الأرشمندريت سيرافيم على ترك كليّة اللاهوت بسبب موقفه من تغيير التقويم. في هذه الفترة، بعيدًا عن الأجواء الأكاديميّة، كتب الأرشمندريت سيرافيم سلسلة جديدة من الكتب اللاهوتيّة والرّوحيّة والأدبيّة. آخر كتاباته الثمينة كتاب بعنوان الأرثوذكسيّة والعلمنة (1992) المتضمّن نقدًا لبدعة العلمنة المسكونيّة.
رقد الأرشمندريت سيرافيم أليكسييف في 13/02/1993 تاركًا لنا كنزًا في كتاباته، ومثالاً عن الحياة الرّهبانيّة الغيورة في شخصه كرّسها لخدمة إيمان الكنيسة الأرثوذكسيّة.
المرجع : كتاب الدواء المنسي-سرّ التوبة والاعتراف للأرشمندريت سيرافيم أليكسييف، نقله إلى العربيّة الأرشمندريت سيرافيم كركور، 2004. 94ص.
تهانينا لابن رعيتنا في قطنا رند فؤاد أبو عقل الحصول على شهادة الماجستير في الآثار

والدة الإله
إنّ الله العادل الرّحيم كان قد أشفق على جبلته البشريّة الضّعيفة الخاطئة فوعد الإنسانية بمخلّص يرفعها من كبوتها. ولما شاء ربنا أن يهيّئ لذاته كنيسة حيّة ومسكنًا مقدَّسًا ارتضى أن يصطفي لذلك الصّديقَيْن يواكيم وحنّة، فوجب أن تولد منهما بالجسد أمِّه الفائقة القداسة، فأرسل جبرائيل الملاك إلى الشيخ القدّيس يواكيم من نسل داود الملك ومن سبط يهوذا بأنه سيصبح أبًا لفتاة الله أمّ المخلّص. وكانت زوجته حنّة بنت ناثان من سبط لاوي عاقرًا، وقد عاهدت الله أن تقدّم إليه نذيرًا يخدم الهيكل إذا رزقت ولدًا كان أمْ بنتًا.
فتراءى لها ملاك الرّبّ في اليوم التاسع من شهر كانون الأوّل من السنة السابعة عشر قبل المسيح وبشّرها بأنها ستحبل في ذلك اليوم بابنة هي أشرف الخلائق كلّها. فحبلت حنّة بمن هي أكرم من الشاروبيم وأرفع مجدًا بغير قياس من الساروفيم. وفي اليوم الثامن من شهر أيلول من السنة السادسة عشر قبل ميلاد المسيح ولدت مريم البتول في القدس في المكان المدعو اليوم مدرسة القديسة حنّة (الصلاحية) بعد مضي خمسون عامًا على زواج والديها وسميت مريم أي سيدة أو رجاء حسب تسمية الملاك…إقرأ الموضوع.
السير مع الله
البيئة الروحية بقلم أيهم نقولا سعد
L’environnement spirituel, par Aïham Nicholas SAAD
إذا كانت الفوضى، الضوضاء والشواش هي الغالبة على حياة السطح. فالسكون، الهدوء والنظام هي تمام حياة العمق. فإذا كان على السّطح شيء من النظام والهدوء فهو حتمًا انعاكسٌ للعمق ليس إلاّ. ومن أكثر البيئات انعكاسًا لهذا العمق المتجانس والهادئ هو البيئة الرّوحيّة، ولم أجد أفضل من البيئة التي يتشكّل فيها النفط خير مثال لهدوء وطاقة هذه البيئة الرّوحيّة، فلو لم تترسّب العضويّات في أعماق المحيطات والبحار لترقد بسلام تاركةً الرّسوبيّات تتراكم فوقها عبر ملايين السنين، لـمَا تخمَّرت وشكَّلت الطّاقة النفطيّة.
النفط في الأرض طاقةٌ في يدِ الإنسان
كالكلمة في النفس حياة في حمى الرَّحمن
والسّؤال الآن هو : هل تعتبر الكنيسة هي الممثِّل الحصريّ لهذه البيئة الرّوحيّة؟
وأجيب بقولي أنَّ لا سلامَ وهدوء إلا في المسيح وجسده الذي هو الكنيسة، لكنَّ المسيح ليس مقتصرًا على الكنيسة والإنجيل، فهو كان وما يزال فاعلاً خارج نطاقهما. فإنْ كنت مسيحيًّا ستعكس لا محال صورته ومثاله بكمالها لترتسم في عمق سواك، من أجل أن يولدَ الجميع أطفالاً بالرّوح، ونحيا للأبد في رحمة الله التي من الرَّحِمِ أُخِذَتْ.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
الإنسان خُلقَ ليحبّ لا ليكره
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس
إغناطيوس الرّابع هزيم
في هذا المناخ الطيّب وفي هذه الجيرة الطيّبة التي سنتكلّم عنها بعد قليل، جيرة النبي الياس ونحن نفتخر بأنّه هو النبيّ الأساسيّ عندنا، ونحن نعتزّ بتراثنا الأرثوذكسيّ الذي يضعه في مصفّ استثنائيّ بالنسبة لسائر الأنبياء.
نعيّد للكرسيّ الأنطاكيّ الذي توجّه إليه إنجيل لوقا. نحن مميَّزون، ككرسيّ أنطاكيّ، لأنْ نسمع الإنجيل الموجّه إلينا بصورة خاصّة. هذا شيء مهمّ. لأنَّنا في كثير من الأحيان لا نعرف من نحن ولا نعرف لمن ننتمي ولا نعرف ماذا فعل الرّوح القدس عندما حلّ على الرّسل وجعل بعضهم يكتبون أناجيل من جملتها الإنجيل الذي يخصّكم ويخصّنا جميعًا. عندما استقبلتُ قداسة البابا، قلت : نحن نرحّب بقداستك لأنّك اليوم تأتي من الغرب وتجلب معك الكنائس الغربيّة إلى منبع الإيمان المسيحيّ، وهو أنطاكية التي منها انطلقت البشارة إليكم.
هناك أمران :
الأمر الأوّل : أن نكون فخورين بما سمح لنا الله به، فقدّس إنطاكية وقدّس الكرسيّ الأنطاكيّ وقدّس كل أبناء الكرسيّ الأنطاكي.
وهناك الأمر الثاني الذي يجعلنا نتذكّر أنّ الله كريم إلى درجة لا يمكن أن تحدّها العقول وهو كيف يرسل لنا كلّ ذلك ونحن لا نستحقّ أي شيء منه؟
كان الرسول بطرس يصف المؤمنين بـــ “الغرباء” ويقول لهم : “أنتم الغرباء”! هذا يذكّرنا بكلام الرّب يسوع لتلاميذه : “أنتم في العالم ولستم من العالم”. الذي في العالم أقوى من العالم، نحن موجودون في العالم لا لكي نغمض أعيننا، بل لكي نفعل فيه، لكي نغيّره ونبدّله ونكون عنصرًا جديدًا فيه، لكي يصبح العالم لائقًا بخلائق الله.
أعرف أناسًا ينامون على فراش الكراهية، حتى بدون أن يعرفوا لماذا يكرهون. الإنسان خُلق لا ليَكره بل ليحبّ، خُلق لا ليُكرَه بل ليُحَب، والدنيا التي ليس فيها مَن يتحابان هي جهنّم بالمعنى الحقيقيّ.
الذي يتكلّم عن النبي الياس يمكن أن يقول الكثير، ولن أقول الكثير. النبي الياس كان في رأس الجبل، لا أدري ماذا كان يلبس. كان أفقر وكان أبسط من أن تكون عنده الثياب التي تلبسونها. ولست أدري إذا كان له حذاء. كان بمفرده، وكان كهنة البعل أمامه بكثرة. وحده أخذ موقفًا وطلب إلى الله أن يكون معينه فاستجاب له الله. اليوم نعيش ككل الناس. هكذا. فإذا كنت تنصح شخصًا ألا يكون لصًّا يقول لك : كلّ الناس “هكذا”. اليوم هذه كلمة مطلقة، ولكن رجلاً واحدًا اتخذ موقفًا لكي يعلّمنا بأن نتّخذ موقفًا.
ونأتي أخيرًا إلى بولس. يجب أن يكون هناك إنسان يقول للناس ما هو الصّحّ بقطع النظر عن أي زمان. بولس الرّسول تكلّم عن نفسه وقال : جُلدتُ مرّات وعُذِّبتُ مرّات. ولكن كلّ هذا لا يزيد عمّا صار بربّي يسوع المسيح. لم يسمع أحدٌ منّي إلا كلام الحقّ!.. كلام الحقّ قويّ، وقائل الحقّ قويّ.
يجب أن تعرفوا أنكم شيء مهم جدًّا في رؤية الله تعالى وتدبيره، ويجب أن تعرف أنه إذا لم يكن قلبك نظيفًا من الحقد ومن الكراهية، فعبثًا تتكلّم وعبثًا تبشّر وعبثًا تفعل أيّ شيء.
أيها الأحباء عيدًا مباركًا إن شاء الله.
المرجع :
كتاب عظات (الجزء الثاني)، منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس، 2003، ص 322 – 323.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
الكنيسة
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس
إغناطيوس الرّابع هزيم
الكنيسة هي الأسرة التي فيها يعمل الإنسان بدافع ذاتيّ لا بترغيب من الخارج
الكنيسة… ما هي في النهاية؟ أعتقد أنّنا إذا اكتفينا بالنَّظر إليها من الخارج نظنّ أنّها هي أيضًا مؤسسة كسائر المؤسسات، جماعة كسائر الجماعات، جمعيّة كسائر الجمعيّات، قبيلة كسائر القبائل، لذلك فقد تسرّب حتّى إلى جسم الكهنوت التفكير بأنّك في الكنيسة أيضًا يمكن أن تكون مجرّد موظّف. الكنيسة ليست مؤسسة للتوظيف، المؤمن ليس موظّفًا، الكاهن ليس موظّفًا، وأحذّر البعض من تفكير كهذا، المطران ليس موظّفًا، الكنيسة ليست جمعيّة فيها كلّ الناس موظّفون. المهمّ فيهم ماذا يفعلون، كيف يقومون بأعمالهم؟. صار البعض عندنا يقول إنّه يجب أن نحدّد ساعات العمل للكاهن والمطران وما إلى ذلك. هذا ليس صوابًا أيّها الأخوة، الكنيسة ليست هكذا على الإطلاق. الكنيسة ما هي؟ الكنيسة هي أسرة.
بمقدار ما تكون ضمن عائلة أي أسرة في البيت فيها الأب، فيها الأم، فيها الأخوة، فيها الأخوات بمقدار ما يمكنك أن تفهم الكنيسة. الكنيسة ليس فيها موظفون، الكنيسة فيها الأب أب، والأم أم، والأخ أخ، ولا يمكن أن ينتزع عنها هذا الطابع مهما بلغ ومهما صار. أبوك كيف يمكنه أن يستعفي من أن يكون أباك؟ كاهنك كيف يمكن أن يستعفي وهو كاهنك؟ نحن نقول إن الكاهن مرسوم ولا نقول معيّن مثلاً. الكهنوت هو وضع أسرويّ كما أنَّ الأبوّة، والأمومة، والأخوة كذلك هي وضع أسرويّ. لماذا نشدّد على هذا؟ لأنَّ هنالك طابعًا مجانيًّا لا تقدمه إلاّ الكنيسة. الكاهن، الإكليريكي، المؤمن لا يقدم لك من جيبه فقط وهذا لا يوجد منه الكثير، ونحن نشكر الله على أنّه لا يوجد منه الكثير. الإكليريكي مدعوّ إلى أنْ يقدّم لك من قلبه، م نحياته، مثلما قدّم الرّب يسوع. أتى من السماوات إلى الأرض، ما قدّم لأحدٍ مالاً ولم يفلح مكان أحد ولكنه قدّم ذاته، وقدّم ذاته حتّى الموت. الإكليريكي يقدم قلبه كما أن أباك، كما أن أمك يقدمان لك من روحهما، من كيانهما دون حساب ودون أيّ شرط، دون أن يعرفا من ستكون عندما تكبر. وتقدمتهما مجّانيّة.
المرجع : كتاب عظات (الجزء الثاني)، منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوكس، 2003، ص189.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
في رباط الثالوث الفريد بين الفضائل، أعني المحبّة والرّجاء والإيمان
القدّيس يوحنّا السّلّمي
- وأخيرًا، بعد كلّ ما قلناه، يبقى أن نتكلّم عن الفضائل الثلاث التي هي رباط سائر الفضائل تضمها بعضًا إلى بعض وتضبطها، وهي الإيمان والرّجاء والمحبّة، وأعظمهنّ المحبّة[1]، لأنّ الله يسمّى محبّة[2].
- ويلوح لي أنّي أبصر الإيمان شعاعًا والرّجاء نورًا والمحبّة دائرة، وإن للثلاثة بهاءً واحدًا وإشراقًا واحدًا.
- فالإيمان يستطيع أن يعمل ويبدع كلّ شيء، والرّجاء تحوطه رحمة الله وتمنع عنه الخزي، والمحبّة لا تسقط ولا تقف في سعيها ولا تتيح الاستراحة للمجروح الولهان بها.
- من يعتزم أن يتكلّم عن المحبّة الإلهيّة يعتزم في الحقيقة أن يتكلّم عن الله، والإسهاب في الكلام عن الله بدون احتراس خطر ويفضي إلى العطب.
- الكلام عن المحبّة مألوف عند الملائكة، ولكن على قدر استنارتهم فقط.
- الله محبة ومن يريد أن يفسر هذا القول يكون بمثابة أعمى يحصي رمل البحر.
- المحبّة من حيث كيفيتها هي تشبّه بالله على قدر ما يتيسر هذا للبشر، ومن حيث مفعولها نشوة للنفس، ومن حيث خاصيتها نبع إيمان ولجة صبر وبحر تواضع.
- المحبّة نبذ لكلّ مناقضة، لأنّها لا تظنّ السّوء[3].
- إنّ المحبّة وحالة اللاهوى والبنوة لا تتميّز فيما بينها إلا بالاسم فقط. كما يجتمع النور والنار واللهب لتأليف فعل واحد كذلك تفعل تلك.
- بمقدار نقصان المحبّة ينشأ الخوف، لأنّ الخالي من الخوف يكون ممتلئًا من المحبّة أو تكون نفسه مائتة.
- ليس من المعيب أن نشبّه بتشابيه بشريّة ما في علاقتنا مع الله من تشوق وخوف وحرص وغيرة وخدمة وعشق. فمغبوط من كان حبّه لله كعشق المغروم الهائم بمعشوقه. ومغبوط من يخاف الرّب كما يخاف الملاحَقون القاضي. مغبوط من صارت أمانته للسيّد كأمانة العبد الأمين المتأهّب على الدوام لخدمة سيّده. مغبوط من أضحت غيرته في الفضيلة كغيرة الأزواج الغيورين على زوجاتهم. مغبوط من يقف في الصّلاة أمام الله وقوف الخدم أمام الملك. مغبوط من يجتهد أن يرضيَ الله على الدوام كما يجتهد الآخرون أن يرضوا الناس.
- لا تلتصق الأمّ برضيعها كما يلتصق ابن المحبّة بالرّبّ.
- العاشق الحقيقيّ يتصوّر وجه حبيبه على الدوام ويعانقه في قلبه بنشوة ولا يستطيع حتّى في نومه أن يسكّن اشتياقه إليه لكنّه يواصل في رقاده حديثه إليه. فعلى منوال هذا الحبّ الجسديّ يكون الحبّ اللاجسديّ. وقد انجرح بسهمه أحدهم فقال عن نفسه (ويا للعجب)! : “أنا نائم” لحاجة الطبيعة “لكن قلبي مستيقظ”[4] لكثرة حبّي.
- لاحظ أيّها المتعجّب أنّه بعد أن يقتل الأيّل الأفاعي[5] تشتاق النفس وتتوق إلى الرّبّ[6] وقد جرحها لهيب الحبّ وكأنّه طعنه سهم.
- لا يتبيّن الجوع بوضوح للناظرين ولا يُستدلّ عليه، أما الظمأ فشديد الوطأة سافر، يدلّ الجميع على لهيبه. ولذا قال التائق إلى الله : “ظمئت نفسي إلى الإله الحيّ”[7].
- إنْ كان وجه حبيبنا يغيّرنا بجملتنا جليًّا ويجعلنا مشرقين فرحين فاقدي الحزن فكيف بوجه السيّد إذا أتى إلى نفس طاهرة وسكن فيها بحال غير منظور؟
- الخوف من كل القلب يذيب الوسخ ويزيله وقد قيل : “سمِّر جسدي بخوفك”[8]. أما المحبّة المقدّسة فتسلب قلوب البعض أحيانًا حسب قول القائل : “لقد خلبت قلوبنا لقد خلبت قلوبنا”[9]، وتبهج غيرهم أحيانًا أخرى، لأنه قيل : “به استجار قلبي فأجارني لذلك ارتاح جسدي”[10] وقيل أيضًا “القلب الفرح يبهج جسده كأنه في مرآة. هكذا مُجِّد موسى معاين الله[11]. فإذا اتحد الإنسان بحبّ الله كليًّا (على نحوٍ ما) بدا حينئذٍ بهاء نفسه في جسده كأنّه في مرآة. هكذا مُجِّد موسى معاين الله[12].
- والذين وصلوا إلى هذه الحالة الملائكيّة كثيرًا ما ينسون طعام الجسد، وفي ظنّي أنهم غالبًا ما لا يشتهونه على الإطلاق، ولا عجب في ذلك إذ كثيرًا ما صدَّت شهوةَ الطعام شهوةٌ أخرى مضادة.
- ويبدو لي أيضًا أن جسد أولئك الأطهار قد أصبح غير معرَّض للأمراض كونه صار عديم الفساد، إذ إنهم تنقوا بلهيب الطهارة فأطفأوا به لهيب الجسد. كما أعتقد أنهم يتناولون طعامهم بدون تلذذ، لأنه كما أن الماء الجاري تحت سطح الأرض يغذي أصول النبات كذلك تغذي النار السماوية نفوسهم.
- تكاثر الخوف ابتداء المحبّة، وكمال الطهارة أساس معرفة الله.
- من اتحد بالله يلقنه الله أسرار أقواله. وبدون هذا الاتحاد يعسر التكلّم عنه.
- الكلمة المساوية للآب في الجوهر يأتي بنا إلى كمال الطهارة، وحضوره فينا يميت الموت، وإذا أميت الموت استنار طالب المعرفة الإلهيّة.
- إن كلمة الرّب الصادرة من الله الآب طاهرة وثابتة إلى أبد الآبدين، أما من لم يعرف الله فيكون كلامه عنه من قبيل التخمين.
- الطهارة تفقّه الإنسان في اللاهوت فيتيقن بنفسه عقيدة الثالوث.
- من يحب الرّبّ فقد سبق وأحبّ أخاه، لأنّ الحبّ الثاني علامة الأول.
- من يحب قريبه لا يحتمل البتة الذين يعيبونه بل يهرب منهم هربه من النار.
- من يقول أنه يحبّ الرّبّ ويغضب على أخيه هو كمن يركض في نومه.
- قوة المحبّة في الرّجاء، لأنّنا بالرّجاء نتوقع أجر المحبّة.
- الرّجاء ثروة خفية، الرّجاء كنز مضمون مؤمَّن قبل اكتنازه.
- الرّجاء نهاية الأتعاب وباب المحبّة وبطلان اليأس وصورة النعم المنتظرة.
- نقصان الرَّجاء يلاشي المحبّة، بالرّجاء تنحصر الأتعاب، به تضمحلّ المشقّات، والرّحمة تحوطه.
- الرّاهب الحسن الرّجاء يقتني سيفًا يطرد الضجر ويقتله.
- تذوّق مواهب الرّبّ يولّد الرّجاء، ومن لم يختبرها يلازمه الارتياب.
- الغضب يقصي الرّجاء، لأنّ الرّجاء لا يخزى[13]، بينما الرّجل الغضوب يخيب.
- المحبّة ترزق النبوة وتصنع العجائب، المحبّة لجة إشراق، المحبّة ينبوع نار بقدر ما يفيض يُلهب العطشان، المحبّة حال الملائكة، المحبّة إقبال الدهر الآتي.
- أخبرينا أيتها الجميلة في الفضائل أين ترعين غنمك؟ أين تربضين عند الظهيرة[14]؟ أنيرينا، أروينا، أرشدينا، اقتادينا بيدك ما دمنا نبتغي أن نصعد إليك. لأنك تسودين كلّ البرايا. والآن فقد جرحت نفسي ولا أقوى على ضبط لهيبك. ولذلك سأجري مسبحًا إياك. “أنت تسودين قوة البحر وتهدئين أمواجه عند التطامها وتلاشيها، أنت اذللت المستكبر كالقتيل، أنت بددت أعداءك بذراع قدرتك”[15] وجعلت عاشقيك غير منهزمين.
إنّي أتشوّق أن أعرف كيف رآك يعقوب مثبتة على السلم الصاعدة إلى السماء، أتشوق فأخبريني ما هو نهج ذلك الصعود، وكيف تُجمع وتُركَّب تلك الدرجات التي جعلها عاشقك بمثابة مصاعد في قلبه[16]؟ إني متعطّش لمعرفة كم هو عددها وكم يستغرق صعودها من الزمن، لأن العارف بذلك الصراع وتلك الرؤيا[17] قد خبّرنا عن المرشدين إلى الصعود[18]، ولكنه لم يشأ وبالأحرى لم يستطع أن يفيدنا أكثر. فقالت لي تلك الملكة (بل ذلك الملك) بعد أن تراءت لي وكأنها من السماء، وهمست في أذن نفسي : يا عاشقي، إن لم تنزع عنك كثافة الجسد لا تقدر أن تعرف يومي. فلتعلّمك تلك السلم ترتيب الفضائل، وأنّي كائنة في أعلاها حسبما قال العالم بأسراري : “الذي يثبت الآن هو الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة وأعظمهن المحبّة”[19].
المرجع :
كتاب السّلّم إلى الله، القدّيس يوحنّا السّلّمي، منشورات التراث الآبائي 2006، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف، ص 271 – 275.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
[1] 1كو 13:13. [2] 1يو 4 : 8 و 16. [3] 1كو 13 : 5. [4] نشيد الأناشيد 5 : 2. [5] الأيل هي النفس والأفاعي الأهواء. [6] انظر مز 83 : 2. [7] مز 41 : 3. [8] مز 118 : 120. [9] نشيد الأناشيد 4 : 9. [10] مز 27 : 7. [11] أمثال 15 : 13. [12] انظر خروج 34 و 2 كو 3 : 14. [13] رو 5 : 5. [14] انظر نشيد الأناشيد 1 : 6. [15] انظر مز 88 : 9 – 10. [16] انظر مز 83 : 4. [17] هو يعقوب. [18] الملائكة الصاعدين والنازلين على السلم. [19] 1 كو 13 : 13.
معادلة العمل – الرسولي- ليست معادلة حسابيّة
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس
إغناطيوس الرابع هزيم
…إذا كان ثلثا بذارك أيّها الفلاح لا يُثمر، فابذر من أجل الثلث الأخير. أنت يجب أن تزرع وأن تبذر. والكلمة التي تزرعونها ستكون على الطريق وعلى الصخر وفي الأرض الجيدة وستنبت، ولكنها في وقت لا يعلمه إلاّ الله تعطي فئة لم نحلم بها ثمارًا قد تكون أنت منها. تعطي كلمة الله ثمرًا أضعافًا مُضاعفة.
إنّ معادلتك في عملك – الرسولي- ليست معادلة حسابيّة، أي إذا زرعت عشرًا تحصد عشرًا. هذا غير صحيح. المعادلة إذا زرعت عشرًا فقد تجني ثمرة واحدة من العشرة، ولكن من أجل الواحد ازرع العشرة.
وبكلام آخر ليس ثمّة أرض لا يجوز أن تزرع فيها. يجب أن تزرع أينما كان وأن تسلم إلى الله نتائج أعمالك. غير صحيح أن كل من يعمل الصالح لن يجد أمامه إلا الصّلاح. فإذا كنت لا تنتظر إلا الصّلاح مكافأة لصلاح عملته فلن تعمل صالحًا إطلاقًا. يجب أن تعمل ما نسميه “المليح” من دون أن تتوقع أن يُرَد لك ذلك “المليح”. عالم الرّب، عالم البشارة ليس مثل عالم التجارة. عالمه أن تعطي أنت والباقي على ربّك. أنت عليك أن تزرع وأن تسعى وأن تجتهد ويجب ألاّ نصبح تجارًا في الرسالة، أي أن أعطيك شرط أن تعطيني. أقدم إليك متوقعًا أن تقدم إلي. لا بل إذا قدمت إليك القليل أتوقع منك أن تقدم إلي الكثير. أنت لست الرسالة بل الرسول الذي يحملها عن سواه وليس عن نفسه. ولا نبشّر الناس بأنفسنا بل بذاك الذي من دونه لا نعرف ما هو النور وما هو الحق وما هي المحبّة.
المرجع :
كتاب عظات (الجزء الثاني)، إغناطيوس الرابع هزيم، 2003. منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ص79.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
السلّم إلى الله
تمثّل الأيقونة (السلّم إلى الله) سلّمًا من ثلاثين درجة، يصعد عليه الرّهبان أو يقعون منه. الرّهبان الذين تجاوزوا التجارب ووصلوا إلى أعلى السلّم يستقبلهم المسيحُ في السّماء وأوّلهم القدّيس يوحنّا السلّمي ووراءه أسقف سيناء.
ملابس الرهبان قاتمة أمّا ملابس الملائكة ففاتحة. في الزاوية السفلى رهبان يتوقون إلى الصعود. الرسام من القسطنطينية من القرن الثاني عشر، زار دير القديسة كاترينا في سيناء ورسم الأيقونة.
المرجع :
كتاب السلم إلى الله، للقديس يوحنا السلّمي، منشورات التراث الآبائي، 2006، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف.
في البساطة
القدّيس يوحنّا السّلمي :
- النفس الوديعة مقرّ للبساطة، والعقل السخوط يبدع الخبث.
- النفس البسيطة قرينة للتواضع أمّا النفس الخبيثة فابنة للكبرياء.
- البساطة خُلُق عديم التلوّن والتصنّع، لا تحرّكه أيّة نيّة سيّئة.
- البساطة فكر عديم التكلف، وخلق عديم الغش، وكلام عديم التصنع والتنميق.
- إنّ سجيّة الأطفال الأولى هي بساطة عادمة التصنّع. وحين كان آدم يقتنيها لم يكن يبصر عري نفسه ولا قبح جسده.
- إنّ البساطة الفطرية حسنة ومغبوطة، ولكنها ليست كالبساطة المطعَّمة من الخبث بالاتعاب والأعراق. لأنّ الأولى مصونة من التكلف والأهواء ولكن الثانية تؤول إلى اتضاع أسمى. وثواب الأولى ليس بوفير أما ثواب الثانية فلا حدّ له.
- علينا كلنا نحن الذين نبتغي إسترضاء الرّب واستمالته إلينا أن نتقدّم منه كالتلاميذ إلى معلمهم ببساطة ودون تصنع وكلفة أو خبث ومواربة. فإنه بسيط عادم التركيب ويريد أن تكون النفوس المقبلة إليه بسيطة سليمة، إذ لن تخلو البساطة يومًا من التواضع.
- ولقد صار لنا بولس البسيط المثلث الغبطة مثالاً حيًّا ورسمًا للبساطة السعيدة. إذ لم يُسمع يومًا ولم يُرَ قطّ ولن يُرى نجاح عظيم كنجاحه في وقت قصير على غراره.
- الرّاهب الذي يتّسم بالبساطة هو بمنزلة أصمّ، عاقل ومطياع، قد ألقى حمله على مرشده. الحيوان لا يعارض من يربطه والنفس البسيطة لا تعارض وليّها بل تتبع سائقها إلى حيث يشاء ولا تعرف أن تقاوم ولو سيقت إلى الذبح.
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس إغناطيوس الرّابع هزيم :
- … الإنجيل خاطب البسطاء. وكان الرّب يسوع يقول للرّسل المثل البسيط لئلاّ يعقدوا الناس. ومن الناحية البشريّة كان المسيح يعرف أن يقرأ ويكتب، ونعرف ذلك لأنّه عندما دخل المجمع قرأ الكتاب المقدس، ولكنّني متأكّد أنه لم يكن يحمل شهادة واحدة من الشهادات التي عندي مثلاً، ولكنه كان المسيح.
- … كان الخطاب بسيطًا للرسل لكي يكونوا بسطاء مع الناس، أنت رسول، أنت توصل أشياء، أنت أداة، أنت لا تبشر بنفسك.
المرجع :
- كتاب عظات (الجزء الثاني)، 2003، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس إغناطيوس الرابع هزيم، منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس، ص 78.
- كتاب السّلم إلى الله، للقدّيس يوحنّا السّلمي، منشورات التراث الآبائي، 2006، تعريب رهبنة دير مار جرجس الحرف، ص 183.
لتحميل الموضوع : انقر هنا
عيد ميلاد مجيد 2011
المسيح وُلِدَ فمجِّدوه…
وُلِدَ المسيح طفلاً بالجسدِ، لنولدَ أطفالاً بالرّوح ونحيا للأبد.
طفلٌ لعالمنا أتى، بالتواضع والمحبّة نما، إلاّ به أيا بشرُ لنْ تسموَ للسَّما.
باسم إدارة موقع الكنيسة، وباسم الأب فادي جميل الحدّاد كاهن الرّعيّة، نتوجّه برسالة المحبّة والإيمان والرّجاء مع الطفل يسوع المولود اليوم في مغارة بيت لحم لوطننا الغالي أولاً، ولأبناء رعيّتنا في الوطن وفي الـمُغترب، رسالة كانت وما تزال البداية والمنتهى، الفرح والعزاء، للحياة الحقّ بالجسد والرّوح.
لنسجد مع المجوس والرّعاة، مع النجوم والكواكب، للمسيح الملك المولود في مذودِ بيت لحم.
كلُّ عامٍ وأنتم بألف خير
ميلاد مجيد
عيد الميلاد عيد الكرامة لكلّ إنسان
الكاتدرائيّة المريميّة، دمشق، عيد الميلاد، 25/12/2001
الميلاد يقول لك إن ابن الله أتى في اللحم والدم لكي تحترم اللحم والدم في كلّ إنسان على وجه الأرض.
… ماذا قال الله في تدبيره الإلهيّ؟ قال لم يبقَ إلاّ أن ننقل الإنسان من وضعه الحالي وضع الوصايا والقوانين والأنظمة إلى وضع البنوّة. هذا ضروري ويعني أنّه بدل أن نكلّم هذا الإنسان كما يكلّمه المعلم أو القاضي أو القوي فإنّنا سنكلمه كما نكلم أبناءنا في المنزل في البيت. نحن اليوم في حالة التبني هكذا يقول بولس الرسول إذن لسنا أبناء لكتاب ولا لقوانين ولا لأنظمة. نحن أبناء لأب يعني أننا نحتاج أن يكون أمامنا من يدعونا وهو بصورة الأب بصورة الشخص القريب الذي يأخذ طبيعتنا. لهذا حصل الميلاد. الميلاد حصل لأنّنا انتقلنا من موقع المستمع إلى الله من بعيد إلى وضع يقول لنا فيه أنا مثلكم في الطبيعة البشرية. وأنا جئت إليكم، جئت لا لآخذ ولكن لكي أعطيكم. وهذا هو العهد الجديد. العهد الجديد هو أن يأتي إلينا المخلّص بالذّات لكي يعيش عيشتنا ولكي يطهّرنا من خطايانا …
المرجع :
كتاب عظات (الجزء الثاني)، منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، 2003
أيُّهما أكبر ربع النصف أم نصف الرّبع؟
بقلم أيهم نقولا سعد†
قد يكون السّؤال بسيطًا للبعض، لكنّ الغاية من طرحه هي إيصال فكرة تعويد الطفل على منهجيّة تفكير لإيجاد أكثر من طريق للوصول إلى النتيجة ليس إلاّ.
يتضمّن السؤال ثلاث كلمات أساسيّة : نصف، ربع وأكبر؛ لو وضعنا جانبًا كلمة أكبر ودقّقنا بكلمتي نصف وربع، والسؤال المطروح الآن هو نصف وربع ماذا؟! الذي نعلمه أنه نصف وربع وحدة كاملة أيًّا كانت.
إذًا لم يحدّدْ لنا السؤال نصف وربع ماذا، تاركاً المجال لنا لأيّ احتمالٍ ممكن، وبناءً عليه سيكون لدينا عدد لا متناهٍـ من الاحتمالات للإجابة على هكذا سؤال.
† Email : aihamsaad@gmail.com ; P.O.Box : 3170, Damascus Syria.
العمق الأرضي والعمق الإنساني
بقلم أيهم نقولا سعد
Par Aïham Nicholas SAAD†
تبقى البساطةُ سطحيَّةً مقيَّدةً إنْ لم تصلْ إليها نيران العمق لتحرِّرَها وتحلِّق بها عاليًا…
عمقٌ ثالثٌ[1] – لكوكبٍ ثالثٍ[2] – يشقُّ طريقه إلى السطح ليزلزلهُ ويصدِّعَهُ بالبراكين، ويعطي للحياة أجنحةً[3] تطير بالأرض في السماء. عمقٌ ملتهبٌ أعطى لكوكبنا نعمة الحياة فضلاً عن بقيّة كواكب المجموعة الشمسيّة، وميّزهُ عن إخوتِهِ الثلاثة الأرضيين[4]. عمقٌ باقٍ ببقاءِ الشمس، فمِنها أُخِذ ومعها يعيش، فهل لها يعود؟! الله وحدهُ يعلم…
أمَّا أنتَ أيُّها الإنسان فإنْ كنتَ مِثلَ الأرض فحسنًا فعلتْ، وإلاّ فأنت مع إخوتها الثلاثة، ميتٌ لا محال، لأنَّ مَنْ كان لهُ عمقٌ مُلتهبٌ كالأرض مِنهُ يستقي، فهو ابن الشمس كان وما يزال مُلتقي، ومنها يرتوي، فسيقول لليل – لا محالَ – انجلِ.
وأقولُ لهُ : مِنْ أيِّ عمقٍ أنتَ ناهل؟!
فيُجيبني : كيف لي أنْ أعلمَ أيُّها السَّائل؟!
فأجيب : إنْ كانَ مِنَ الجوهر، فالذّات – رغمَ التجارب – في تطوّر، وإلاّ قد تكون عُرضةً للتدهور؛ لا سطحَ بلا عمق، ولا عمق بلا سطح، لكنَّ الحياة لا تكون إلا بجوهرها الـمُلتَهِب، وأقول الملتهب ليسمع مَن له أذنان للسَّمع…
الشمسُ للبحار لتصعدَ الغيوم ويهطل المطر
والعمقِ للتراب لندفنَ البذور ونجنيَ الثمر
† Email : aihamsaad@gmail.com ; P.O.Box : 3170, Damascus-Syria.
[1] أقصد بالعمق الثالث هو النواة في الأرض التي هي ثالث طبقتين فوقها اللذين هما القشرة والمعطف.
[2] الكوكب الثالث هو الأرض وقبله يوجد عُطارد والزهرة.
[3] الأجنحة هي كناية عن الغلاف الجوّي للأرض.




























تعليقات حديثة